تود غريفز… الرجل الذي تحدّى الرفض وصنع إمبراطورية “رايزنغ كينز” من فكرةٍ سخر منها الجميع

في عالم ريادة الأعمال، لا تُقاس الأحلام بحجم الفكرة، بل بحجم الإصرار الذي يحميها من السقوط. وتود غريفز هو النموذج الأكثر إلهامًا لهذا المعنى؛ إذ انطلق شابًا من لويزيانا بفكرةٍ وُصفت بأنها “غير منطقية”، ليصنع منها واحدة من أسرع سلاسل المطاعم نموًا في الولايات المتحدة والعالم. وخلف كل خطوة في مسيرته تختبئ قصة كفاح، وتحدٍ، ورغبة لا تهدأ في تحويل المستحيل إلى واقع.
هذا المقال يقدم سردًا صحفيًا مطولًا لمسيرة غريفز، منذ البدايات في باتون روج وحتى وصوله إلى قمة صناعة المطاعم بقيمة سوقية مليارية، مع إبراز دروسه وتجارب حياته التي شكّلت أسطورة “Raising Cane’s”.

تود غريفز… رحلة تبدأ من الطرقات وتنتهي على عرش المطاعم
لم يكن نجاح تود غريفز وليد صدفة، بل نتاج معارك طويلة خاضها ضد الشك والسخرية والظروف الصعبة. فمنذ أيام شبابه الأولى لم تُفتح أمامه الأبواب، بل اضطر إلى طرقها بقوة، وإلى تحمل النظرات الساخرة من فكرة مطعم يقدم أصابع الدجاج فقط، في وقت كانت فيه السوق تتجه نحو الوجبات الصحية والمتنوعة.
ومع كل “لا” يسمعها من بنك أو مستثمر، كان الشغف بداخله يزداد اشتعالًا. كان يرى في الرفض وقودًا يجعله أقرب إلى الحلم، لا أبعد عنه. وهكذا بدأت رحلة طويلة بنت شخصية صلبة قادرة على الصمود مهما كانت التحديات.
نشأة في لويزيانا… وتكوين مبكر لروح المبادرة
وُلد تود غريفز في 20 فبراير 1972 بمدينة باتون روج بولاية لويزيانا. وهناك درس في مدرسة Episcopal High School، حيث برز باهتماماته المتعددة، من الرياضة إلى المسرح إلى الأنشطة القيادية. كان قائدًا لفريق كرة القدم، وممثلًا على المسرح، وطالبًا مجتهدًا في صفوف الشرف.
لكن الأهم من ذلك كله هو تلك الروح التجارية التي ظهرت مبكرًا جدًا. فمنذ طفولته كان يبحث عن طرق لكسب المال بنفسه؛ فجرّب بيع الليمون، وطلاء الأرقام على الأرصفة، وقصّ الأعشاب للمنازل. لم يكن يكتفي بالتقليد، بل كان يحاول دائمًا أن ينفذ العمل بطريقة أفضل وأكثر تنظيمًا.
وهذا ما شكّل شخصيته لاحقًا كمؤسِّس لعلامة مطاعم تعتمد على الجودة والبساطة وإتقان التفاصيل.

تحول في الأحلام: من الكتابة التلفزيونية إلى عالم المطاعم
بعد تخرجه من المدرسة التحق غريفز بجامعة جورجيا ودرس الاتصالات، مع تخصّص فرعي في إدارة الأعمال. كان يحلم بالعمل في التلفزيون والسينما، لكن الظروف قادته إلى مسار مختلف بالكامل.
فخلال عمله في المطاعم والحانات في سنوات الدراسة، بدأ يشعر بشغف حقيقي تجاه صناعة الضيافة. أحبّ الوتيرة السريعة للمطبخ، وتفاعل الزبائن، وتفاصيل الخدمة. ووجد نفسه يفكر باستمرار في فكرة مطعم بسيط، يركّز على منتج واحد فقط، ويقدمه بجودة استثنائية.
وهكذا تغيّر الحلم… وبات الشغف الجديد أقوى من أي خطة مهنية أخرى.
خطة عمل برؤية واضحة… ورفض أكاديمي قاطع
في عام 1995 عاد غريفز إلى باتون روج بعد التخرج، عازمًا على تنفيذ فكرته. تواصل مع صديق طفولته كريغ سيلفي ليكون شريكًا له، وبدآ معًا وضع خطة عمل مفصلة لمطعم أصابع الدجاج.
ورغم الجهد الكبير، جاءت الصدمة عندما حصلت الخطة على أدنى درجة في الصف الجامعي. فقد رأى الأستاذ أن مطعمًا يقدم منتجًا واحدًا فقط هو مشروع محكوم عليه بالفشل في جنوب لويزيانا، التي تشتهر بتنوع مطبخها.
لكن بدلاً من أن يثبط ذلك عزيمته، اعتبر غريفز هذا الرفض دليلًا على أنه يسير في الاتجاه الصحيح.
جمع التمويل… الرحلة الأصعب
سعى غريفز وشريكه لطرق أبواب البنوك والمستثمرين، لكنهم وجدوا الرفض في كل مكان. سمعوا مرارًا أن فكرتهم “غير منطقية”، وأن عليهما البحث عن “وظيفة حقيقية”.
وهنا قرر غريفز أن يجمع المال بيده، لا أن ينتظر أحدًا يمنحه فرصة.
سافر إلى لوس أنجلوس وعمل عامل لحام في مصفاة Chevron، بواقع 90 ساعة أسبوعيًا. كان مرهقًا، لكنه مدفوع بأحلام كبيرة. حتى أن زملاءه في العمل منحوه لقبًا لافتًا: “هوليوود”، لإعجابهم بحماسه.
مغامرة ألاسكا… حين اختُبرت الإرادة في أقسى الظروف
بينما يعمل في المصافي، تعرّف غريفز على رجل دعاه إلى تجربة العمل بصيد الأسماك في ألاسكا. رغم خطورة الفكرة، قرر خوض المغامرة.
سافر إلى أقصى الشمال، قطع الطريق عبر شاحنات الهيتشك، وعاش على التندرا المتجمدة في خيمة بسيطة، لا يأكل سوى “فول باللحم”.
وبعد محاولات عديدة أقنع قبطان سفينة بتوظيفه. كان يعمل 20 ساعة يوميًا في صيد سمك السلمون الأحمر، وسط برد قاسٍ وأمواج لا ترحم. لكنه لم يتراجع، بل كان يحكي لزملائه عن حلمه الذي ما زال يتشبث به رغم كل شيء.
تجربة ألاسكا لم تمنحه المال فقط… بل صنعت منه قائدًا قادرًا على اتخاذ قرارات حاسمة تحت الضغط.
العودة إلى باتون روج… ومعه المال والإيمان بالحلم
عاد غريفز إلى مدينته محملًا بخمسين ألف دولار جمعها من العمل الشاق. أدرك أن المبلغ لا يكفي وحده لافتتاح المطعم، لكن هذه المرة وجد مستثمرين يؤمنون بفكرته، خاصة أولئك الذين تعرف عليهم في المصافي.
جمع 90 ألف دولار أخرى كديون واستثمارات صغيرة، إضافة إلى قرض من إدارة المشاريع الصغيرة بقيمة 50 ألف دولار. وهكذا اكتمل رأس المال المطلوب، وبدأت أولى خطوات الانطلاق الحقيقي.
ولادة “Raising Cane’s”… من فكرة مرفوضة إلى نجاح صاعق
اختار غريفز أن يسمي المطعم Raising Cane’s تيمنًا بكلبه اللابرادور الأصفر الذي كان يرافقه أثناء البناء، وأصبح لاحقًا التميمة الرسمية للسلسلة.
وفي 28 أغسطس 1996 افتتح أول فرع للسلسلة مقابل البوابة الشمالية لجامعة LSU. تأخر الافتتاح حتى الساعة 9:30 مساءً بسبب عطل في جهاز التسجيل، لكن النجاح كان فوريًا؛ فالطوابير لم تتوقف منذ الليلة الأولى.
البساطة، الجودة، والهوية المميزة… كلها أسست لعلامة تجارية ستصبح لاحقًا من أسرع العلامات نموًا في أمريكا.

مليارات النجاح… وريادة الأعمال التلفزيونية
عمل غريفز بلا توقف، حتى إنه كان يترك نافذة شقته مفتوحة ليسمع حركة الزبائن ويهبّ لمساعدتهم فورًا. وبعد افتتاح الفرع الثاني غادر الشريك سيلفي المشروع، لكن غريفز واصل المسير بثبات.
واليوم تمتلك Raising Cane’s أكثر من 900 فرع عالميًا، وتُصنف من أسرع السلاسل توسعًا. وقدّرت مجلة فوربس ثروة غريفز بحوالي 22 مليار دولار عام 2025، ليصبح أغنى مطوّر مطاعم في الولايات المتحدة.
العلامة اليوم مشهورة بشعارها ONE LOVE، الذي يختصر فلسفتها: التركيز على منتج واحد يتم تقديمه بإتقان شديد.
ظهور تلفزيوني لامع… وتكريم جديد لمسيرته
في عام 2024 انضم غريفز إلى برنامج Shark Tank كمستثمر ضيف في موسمه السادس عشر، مقدمًا نصائح وتوجيهات لرواد الأعمال الشباب. وصرّح حينها بأنه يعتبر مشاركته شكلًا من أشكال “رد الجميل”، وأنه يتمنى أن يكون الشخص الذي يمنح الفرصة التي غيّرت حياته ذات يوم.
خلاصة الحكاية: حين يتحول الإصرار إلى إمبراطورية
قصة تود غريفز ليست مجرد سيرة رجل بنى سلسلة مطاعم ناجحة. إنها حكاية عن الإيمان العميق بالحلم، وعن العمل الجاد الذي لا يعترف بالظروف، وعن الشجاعة في مواجهة الرفض.
من طفل يبيع عصير الليمون… إلى شاب يعمل في مصافي النفط ويصطاد في مياه ألاسكا الجليدية… إلى ملياردير وصل إلى القمة من بوابة أصابع الدجاج فقط.
إنه الدليل الحيّ على أن الفكرة مهما كانت بسيطة، يمكن أن تصبح إمبراطورية… إذا وُجد صاحبها الذي يحميها حتى النهاية.




