تدريب الذكاء الاصطناعي بين الفضول والوظيفة: قصة أوتكاراش أميتاب

لم يكن رائد الأعمال البريطاني أوتكاراش أميتاب يتوقع أن يقوده فضوله الفكري إلى واحد من أكثر مجالات العمل ارتباطًا بمستقبل الاقتصاد العالمي: تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ففي يناير 2025، وبينما كان منشغلًا بإدارة أعماله الخاصة، والتدريس الجامعي، واستكمال دراسته للدكتوراه، ورعاية مولودته الجديدة، تلقّى تواصلًا من شركة ناشئة تُدعى «micro1» تسأله عن استعداده للانضمام إلى شبكتها من الخبراء المستقلين الذين يشاركون في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي لصالح شركات كبرى حول العالم.
من هو أوتكاراش أميتاب؟
أوتكاراش أميتاب، البالغ من العمر 34 عامًا، لا يمكن تصنيفه بسهولة داخل إطار مهني واحد. فهو رائد أعمال، ومؤلف، ومحاضر جامعي، ومؤسس ورئيس تنفيذي لمنصة «نتورك كابيتال» العالمية المتخصصة في التوجيه المهني وبناء الشبكات الاحترافية. إلى جانب ذلك، يواصل دراسته لنيل درجة الدكتوراه في كلية سعيد للأعمال بجامعة أكسفورد، إحدى أعرق المؤسسات الأكاديمية في العالم.
يحمل أميتاب شهادة بكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، وماجستيرًا في الفلسفة الأخلاقية، وعمل لأكثر من ست سنوات في شركة مايكروسوفت، حيث تركزت خبرته على تطوير الأعمال في مجالات الحوسبة السحابية وشراكات الذكاء الاصطناعي. هذا التنوع المعرفي والمهني جعله، كما يصف نفسه، «شخصًا ذا معرفة عامة واسعة»، وهي الصفة التي تبحث عنها شركات تدريب الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد.

لماذا تدريب الذكاء الاصطناعي؟
عندما تواصلت معه شركة micro1، لم يكن أميتاب يبحث عن وظيفة جديدة أو مصدر دخل إضافي. على العكس، كان جدول أعماله مزدحمًا إلى حدٍ كبير. ومع ذلك، وجد نفسه منجذبًا للفكرة بدافع الفضول، لا بدافع الحاجة.
يقول أميتاب إن فكرة المساهمة في تدريب نماذج ذكاء اصطناعي تُستخدم لاحقًا في حل مشكلات معقدة داخل المؤسسات بدت له امتدادًا طبيعيًا لاهتماماته في استراتيجية الأعمال، والنمذجة المالية، والتكنولوجيا. فبالنسبة له، لا يتعلق الأمر فقط بعمل تقني، بل بتفاعل فكري عميق بين الإنسان والآلة.
ما هي شركة micro1؟
تأسست شركة micro1 عام 2022، ونجحت خلال فترة قصيرة في بناء شبكة تضم أكثر من مليوني خبير بشري حول العالم. تعمل الشركة كحلقة وصل بين هؤلاء الخبراء والمؤسسات التي تطور نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، بما في ذلك مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى، وشركات من قائمة Fortune 100 التي تبني نماذج لغوية ضخمة مخصصة لقوى العمل لديها.
وتقول الشركة إنها تعتمد على خبراء ذوي معرفة عميقة في مجالات تخصصية متعددة، من الطب والقانون إلى الهندسة والاقتصاد واستراتيجية الأعمال. وقد قُدّرت قيمة micro1 السوقية مؤخرًا بنحو 500 مليون دولار، ما يضعها في منافسة مباشرة مع شركات ناشئة كبرى مثل Scale AI وMercor.
طبيعة العمل: كيف يُدرَّب الذكاء الاصطناعي؟
تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على إدخال بيانات عشوائية إلى الخوارزميات، بل هو عملية معقدة تتطلب فهمًا عميقًا للسياق البشري، وطريقة التفكير، وآليات اتخاذ القرار.
يوضح أميتاب أن عمله يتضمن التعامل مع مشكلات أعمال حقيقية ومعقدة، قد يواجهها مدير تنفيذي، أو صاحب شركة، أو مستخدم عادي. الخطوة الأولى تتمثل في تفكيك هذه المشكلة الكبيرة إلى أجزاء صغيرة وواضحة، ثم صياغتها بلغة دقيقة «تفهمها الآلات».
بعد ذلك، يتم اختبار النموذج من خلال مطالبات محددة تطلب منه تقديم حلول، أو اقتراح سيناريوهات، أو تحليل بيانات، مثل تتبع النفقات، أو توقع النمو، أو إعداد ميزانية جديدة لوحدة أعمال داخل شركة.
بين الهندسة السريعة والتفكير التحليلي
يشبه أميتاب جزءًا كبيرًا من عمله بما يُعرف بـ«الهندسة السريعة»، حيث لا يكفي أن تسأل الذكاء الاصطناعي سؤالًا جيدًا، بل يجب أن يكون السؤال مصاغًا بطريقة دقيقة للغاية. أي غموض في الصياغة قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة أو غير ذات صلة.
وعندما تظهر أخطاء في استجابة النموذج، أو عندما ينحرف عن نطاق المشكلة، يبدأ دور الخبير البشري في تحديد موضع الخطأ، سواء كان في صياغة السؤال، أو في البيانات المستخدمة، أو في منطق النموذج نفسه. ثم تُعدَّل مجموعة البيانات، ويُعاد الاختبار مرة أخرى.
يقول أميتاب إن هذه العملية قد تستغرق عدة ساعات لكل مجموعة من المسائل، وتتطلب تركيزًا عاليًا وقدرة على ملاحظة التفاصيل الدقيقة التي قد تغيب عن العين غير المدربة.

جهد فكري وتعليم مستمر
رغم أن العمل يتم عن بُعد وبمرونة عالية، إلا أن أميتاب يؤكد أن تدريب الذكاء الاصطناعي ليس مهمة سهلة أو روتينية. فالوظيفة تتطلب جهدًا فكريًا كبيرًا، خاصة في ظل التطور المستمر للنماذج وقدرتها المتزايدة على التعلم والتحسن.
هذا التطور المستمر يفرض على الخبراء البشريين بدورهم أن يرفعوا من مستوى معارفهم، وأن يطوّروا مهارات التفكير الإبداعي والنقدي لديهم، حتى يظلوا قادرين على إضافة قيمة حقيقية للعملية.
مرونة العمل والدخل المرتفع
يعمل أميتاب مع micro1 بصفة مستقل وبدوام جزئي، بمعدل يقارب ثلاث ساعات ونصف يوميًا، غالبًا في ساعات الليل بعد أن تنام ابنته الصغيرة. هذه المرونة كانت عاملًا حاسمًا في قبوله العرض، إذ لم يشعر أن العمل يشكّل عبئًا إضافيًا على حياته المهنية أو الأسرية.
ماديًا، يتقاضى أميتاب نحو 200 دولار في الساعة مقابل عمله في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ووفقًا لمتحدث باسم الشركة، فقد حقق ما يقرب من 300 ألف دولار منذ بدء تعاونه معها في يناير 2025، بما في ذلك مكافآت إتمام المشاريع.
ورغم ذلك، يؤكد أميتاب أن المال لم يكن دافعه الرئيسي، إذ كان لديه بالفعل دخل كافٍ من أعماله الأخرى. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن «الأجر العادل قيمة أساسية»، وأن التعويض الذي يحصل عليه يعكس مستوى الخبرة والجهد المطلوبين.
الذكاء الاصطناعي والوظائف: القلق المشروع
مع الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل، يتزايد القلق بين الموظفين في مختلف القطاعات بشأن مستقبل وظائفهم. فهل ستؤدي هذه التكنولوجيا إلى الاستغناء عن البشر؟ أم ستعيد تشكيل أدوارهم فقط؟
عندما يُسأل أميتاب عما إذا كان يخشى أن يؤدي عمله في تدريب الذكاء الاصطناعي إلى تقليص فرص العمل مستقبلًا، يجيب بأن هذا «هو السؤال الذي تبلغ قيمته تريليون دولار». ويرى أن النقاش العام ينقسم غالبًا بين متفائلين بالتكنولوجيا ومتشائمين منها.
بين التفاؤل والواقعية
يصف أميتاب نفسه بأنه يقف في منطقة وسطى بين التفاؤل المطلق والواقعية الحذرة. فهو يعترف بأن تطبيق الذكاء الاصطناعي سيؤدي حتمًا إلى «صعوبات في النمو»، وقد يتسبب في إلغاء عدد كبير من الوظائف، وهو تأثير بدأت بعض أقسام الموارد البشرية تشهده بالفعل.
لكن في المقابل، يتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في خلق أنواع جديدة من الوظائف، ربما لم تكن موجودة من قبل، ما قد يعوّض الخسائر على المدى المتوسط والطويل.
أرقام وتوقعات عالمية
يدعم هذا الرأي ما توصل إليه المنتدى الاقتصادي العالمي في تحليل صدر في يناير 2025، توقع أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تغييرًا جذريًا في سوق العمل العالمي، لكنه سيكون في النهاية قوة إيجابية، تسهم في زيادة صافية في عدد الوظائف قد تصل إلى نحو 80 مليون وظيفة بحلول عام 2030.

منظور فلسفي للعلاقة بين الإنسان والآلة
في ختام حديثه، يتبنى أميتاب منظورًا فلسفيًا يعكس خلفيته الأكاديمية في الأخلاقيات والفلسفة. فهو يرى أن المعرفة، سواء لدى البشر أو الآلات، ليست موردًا محدودًا، وأن التقدم الحقيقي لا يتحقق عبر الصراع بين الإنسان والآلة، بل عبر التعاون بينهما.
من هذا المنطلق، يؤمن بأن العلاقة بين البشر والذكاء الاصطناعي ستظل علاقة تكافلية، يحتاج فيها كل طرف إلى الآخر. فالآلة قد تكون سريعة وقادرة على معالجة كم هائل من البيانات، لكنها تظل بحاجة إلى العقل البشري لفهم السياق، والقيم، والمعنى.
وهكذا، تبدو تجربة أوتكاراش أميتاب مثالًا حيًا على شكل جديد من العمل في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث لا يكون الإنسان ضحية للتكنولوجيا، بل شريكًا فاعلًا في توجيهها وصقلها لخدمة مستقبل أكثر توازنًا.




