يلا تيك

بيتكوين تتراجع دون 82 ألف دولار وسط مخاوف الذكاء الاصطناعي وسياسة «وارش»

تمرّ أسواق العملات المشفّرة بواحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا وحساسية خلال الأشهر الأخيرة، في وقت تتقاطع فيه مجموعة من العوامل الاقتصادية والنقدية العالمية لتفرض واقعًا جديدًا على الأصول عالية المخاطر. وفي قلب هذا المشهد المضطرب، عادت عملة بيتكوين – أكبر العملات الرقمية من حيث القيمة السوقية – إلى واجهة القلق، بعد تسجيلها تراجعًا حادًا أعاد فتح باب التساؤلات حول مستقبل السوق بأكمله.

هذا التراجع لم يكن حدثًا معزولًا أو نتيجة تقلبات فنية عابرة، بل جاء انعكاسًا مباشرًا لتحوّل أعمق في المزاج الاستثماري العالمي، وسط تصاعد المخاوف بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية، واحتمالات تشديد السيولة، إلى جانب إعادة تقييم شاملة لأسهم التكنولوجيا والابتكار، وعلى رأسها تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وبينما كانت التوقعات خلال الأشهر الماضية تميل إلى مرحلة أكثر استقرارًا وتنظيمًا لسوق العملات الرقمية، مدفوعة بتقدم الإطار الرقابي في بعض الاقتصادات الكبرى، جاءت التطورات الأخيرة لتقلب هذه الصورة، وتضع المستثمرين أمام اختبار جديد لمدى صلابة هذا السوق وقدرته على الصمود في بيئة مالية أقل تساهلًا.


بيتكوين عند أدنى مستوياتها في شهرين… وتراجع ممتد منذ الذروة

سجّلت عملة بيتكوين انخفاضًا لافتًا دفعها إلى أدنى مستوى لها في شهرين، بعدما تراجعت بنحو 2.5% لتتداول قرب مستوى 82,300 دولار، في جلسة اتسمت بضغط بيعي واضح وتراجع في شهية المخاطرة. ويأتي هذا الهبوط امتدادًا لخسائر متتالية خلال الجلسات السابقة، ما يعزز مسارًا هابطًا مستمرًا منذ أسابيع.

وبحسب البيانات المتاحة، تتجه بيتكوين لتسجيل رابع شهر متتالٍ من التراجع، في أطول سلسلة خسائر شهرية تشهدها العملة منذ ما يقرب من ثمانية أعوام، وهو ما يعكس حجم التحول في سلوك المستثمرين، لا سيما أولئك الذين تعاملوا مع العملة الرقمية على أنها أداة للتحوط أو مخزن للقيمة في فترات التيسير النقدي.

الأكثر لفتًا للانتباه أن بيتكوين فقدت ما يقارب ثلث قيمتها السوقية مقارنة بمستوياتها القياسية التي سجلتها في أكتوبر الماضي، وهو تراجع كبير يعكس تآكل الثقة قصيرة الأجل، وارتفاع منسوب الحذر تجاه الأصول التي تعتمد في جزء كبير من زخمها على وفرة السيولة وسهولة التمويل.

ووفقًا لما أوردته وكالة «رويترز»، فإن هذه التحركات السلبية لا ترتبط فقط بعوامل داخلية تخص سوق العملات المشفّرة، بل تأتي في سياق أوسع يشمل تطورات السياسة النقدية الأمريكية، وقوة الدولار، وتغير أولويات المستثمرين العالميين.

بيتكوين تتراجع دون 82 ألف دولار وسط مخاوف الذكاء الاصطناعي وسياسة «وارش»
بيتكوين تتراجع دون 82 ألف دولار وسط مخاوف الذكاء الاصطناعي وسياسة «وارش»

السياسة النقدية الأمريكية في بؤرة الاهتمام… والاحتياطي الفيدرالي يربك الأسواق

أحد أبرز المحركات وراء موجة البيع الأخيرة تمثّل في تصاعد التكهنات بشأن مستقبل قيادة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مع تزايد الحديث عن احتمال تعيين كيفن وارش، العضو السابق في مجلس محافظي البنك المركزي، رئيسًا جديدًا للمجلس خلفًا لجيروم باول.

هذه التكهنات لم تمر مرور الكرام في الأسواق، بل أشعلت حالة من القلق، خصوصًا في أوساط المستثمرين في الأصول عالية المخاطر، وعلى رأسها العملات المشفّرة. ويُعرف وارش بمواقفه المتشددة نسبيًا تجاه السياسة النقدية، ودعوته إلى إعادة هيكلة دور الاحتياطي الفيدرالي، وتقليص ميزانيته العمومية التي تضخمت بشكل غير مسبوق خلال السنوات الماضية.

ويرى مراقبون أن أي تغيير محتمل في قيادة البنك المركزي الأمريكي، إذا ترافق مع توجه نحو تشديد السياسة النقدية أو تسريع وتيرة سحب السيولة، قد يكون له أثر مباشر وسلبي على سوق العملات الرقمية، التي استفادت تاريخيًا من بيئة الفائدة المنخفضة والتيسير الكمي.

فخلال الفترات التي ضخّ فيها الاحتياطي الفيدرالي سيولة هائلة في الأسواق، شهدت بيتكوين والعملات المشفّرة عمومًا موجات صعود قوية، مدفوعة بتراجع العوائد الحقيقية على الأصول التقليدية، واتجاه المستثمرين نحو أدوات أكثر مخاطرة بحثًا عن العائد.


تقليص السيولة… تهديد مباشر للأصول عالية المخاطر

يرى محللون أن مجرد الحديث عن تقليص الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي، أو الإبقاء على معدلات فائدة مرتفعة لفترة أطول، كفيل بإعادة رسم خريطة الاستثمار عالميًا. فالأصول التي ازدهرت في ظل السيولة الوفيرة، تجد نفسها اليوم في مواجهة واقع مغاير تمامًا.

وفي هذا السياق، قال داميان بوي، إستراتيجي المحافظ الاستثمارية في شركة ويلسون لإدارة الأصول في سيدني، إن أي توجه لسحب السيولة من الأسواق يؤدي عادة إلى تراجع الأدوات التي لجأ إليها المستثمرون للتحوّط خلال سنوات التوسع النقدي، بما في ذلك الذهب والعملات المشفّرة، وحتى بعض فئات السندات.

ويعكس هذا الرأي حجم الترابط الوثيق بين السياسة النقدية الأمريكية وسلوك المستثمرين في سوق العملات الرقمية، حيث لم تعد بيتكوين بمعزل عن المتغيرات الاقتصادية الكلية، بل أصبحت شديدة الحساسية لأي إشارة تصدر عن الاحتياطي الفيدرالي بشأن مستقبل الفائدة والسيولة.

 

إيثر والعملات الرقمية الكبرى… خسائر متزامنة وضغط واسع النطاق

لم يكن التراجع مقتصرًا على بيتكوين وحدها، بل امتد ليشمل معظم العملات الرقمية الرئيسية. فقد هبطت عملة إيثر، ثاني أكبر عملة رقمية من حيث القيمة السوقية، إلى أدنى مستوى لها في شهرين، بعد انخفاضها بنحو 2.9% لتتداول عند 2,735 دولارًا.

ويعكس هذا التراجع المتزامن اتساع نطاق الضغوط في السوق الرقمية، ما يشير إلى أن المستثمرين يتعاملون مع القطاع كحزمة واحدة من الأصول عالية المخاطر، دون تمييز كبير بين المشاريع أو الاستخدامات التقنية المختلفة.

ومنذ التراجع الحاد الذي شهدته السوق العام الماضي، تعاني العملات المشفّرة من غياب الاتجاه الواضح، كما فشلت في مواكبة موجات الصعود القوية التي سجلتها أسواق الذهب وبعض مؤشرات الأسهم العالمية، رغم أنها كانت تتحرك بالتوازي معها في فترات سابقة.

ويعزو محللون هذا الأداء الضعيف إلى تراجع المحفزات الإيجابية، وارتفاع العوائد على الأصول التقليدية، مثل السندات الأمريكية، ما قلّص جاذبية الاستثمار في العملات الرقمية، خاصة لدى المؤسسات.


الذكاء الاصطناعي… من محرك صعود إلى عامل ضغط

إلى جانب العوامل النقدية، برز عامل جديد ساهم في تعميق موجة البيع، ويتمثل في المخاوف المرتبطة بحالة التفاؤل المفرط تجاه الذكاء الاصطناعي، الذي قاد جزءًا كبيرًا من الزخم في أسواق التكنولوجيا خلال العامين الماضيين.

وأوضح شون داوسون، رئيس قسم الأبحاث في منصة Derive.xyz، أن تراجع الثقة في جدوى الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي كان له أثر غير مباشر على سوق العملات المشفّرة، خاصة بعد الهبوط الحاد في أسهم شركات تكنولوجية كبرى.

وجاء ذلك عقب تراجع سهم مايكروسوفت بنحو 10%، بعد إعلان الشركة عن استثمارات ضخمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، مقابل نمو محدود في الإيرادات، ما أثار تساؤلات حول العائد الحقيقي لهذه الاستثمارات على المدى القصير.

ويرى مراقبون أن هذا التطور دفع الأسواق إلى إعادة تقييم شاملة للأصول المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار، بما في ذلك العملات المشفّرة، التي لا تزال تُصنّف ضمن فئة الاستثمارات عالية المخاطر، شديدة الحساسية للتقلبات النفسية والمزاج العام.


آفاق ضبابية واختبار صعب لقدرة السوق على الصمود

في ضوء هذه التطورات المتشابكة، تبدو آفاق سوق العملات المشفّرة، وفي مقدمتها بيتكوين، محاطة بدرجة عالية من الغموض. فبين ترقب قرارات الاحتياطي الفيدرالي، واحتمالات تشديد السيولة، وتراجع شهية المخاطرة عالميًا، تواجه العملات الرقمية اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على استعادة الزخم.

وبينما يراهن بعض المستثمرين على أن التراجعات الحالية تمثل فرصًا لبناء مراكز طويلة الأجل، يفضّل آخرون الترقب وانتظار وضوح الرؤية بشأن السياسة النقدية والظروف الاقتصادية العالمية.

وفي كل الأحوال، يبدو أن المرحلة المقبلة ستتسم بتقلبات حادة، وتغيّر سريع في اتجاهات رؤوس الأموال، ما يجعل سوق العملات المشفّرة أكثر ارتباطًا من أي وقت مضى بالعوامل الاقتصادية الكلية، وأقل اعتمادًا على السرديات التقنية وحدها.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى