العملات الرقمية تتصدر اختيارات الهدايا لدى الجيل «زد».. لماذا أصبحت الخيار الأكثر شيوعًا بين الشباب؟
أكدت دراسات حديثة أن العملات الرقمية لم تعد مجرد أداة استثمارية نخبوية أو مجالًا حكرًا على خبراء التكنولوجيا، بل باتت تدخل تدريجيًا في أنماط الحياة اليومية للأجيال الشابة، وعلى رأسها جيل «زد». فقد أظهر استطلاع عالمي أجرته شركة «Visa» لتقنيات الدفع في أكتوبر الماضي، وشمل نحو 1000 بالغ حول العالم، أن 45% من أبناء الجيل Z في الولايات المتحدة، ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عامًا، يفضلون تلقي العملات الرقمية كهدية في المناسبات ومواسم الأعياد، مقارنة بالهدايا التقليدية.
هذه النتيجة اللافتة فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول جدوى إهداء العملات الرقمية، وحدود المخاطر المرتبطة بها، ودورها المحتمل في تعزيز الوعي المالي لدى الأجيال الجديدة. فبينما يرى البعض فيها فرصة تعليمية مبكرة للتعامل مع مفاهيم الاستثمار والتقلبات السوقية، يحذر آخرون من خطورتها وعدم استقرارها، خاصة إذا قُدمت بوصفها أصلًا ماليًا طويل الأجل.

العملات الرقمية بين الجاذبية والمخاطر
يرى فلافيو لانديبار، المخطط المالي المعتمد والمستشار المالي الأول في شركة Evensky and Katz/Foldes Wealth Management، أن العملات الرقمية تُعد من أكثر الأصول المالية تقلبًا ومخاطرة في الوقت الحالي. ويؤكد أن الإقبال المتزايد عليها، لا سيما من قبل الشباب، لا يعني بالضرورة أنها خيار مناسب كهدية استثمارية طويلة الأجل.
ويشير لانديبار إلى أن العملات الرقمية تختلف جذريًا عن الأصول التقليدية مثل الأسهم المتداولة علنًا أو الصناديق المتداولة في البورصة (ETFs)، والتي تستند قيمتها إلى أصول ملموسة أو شركات قائمة ذات نشاط اقتصادي واضح. أما العملات الرقمية، فيقول إنها تفتقر إلى قيمة جوهرية أساسية يمكن الاعتماد عليها في التقييم طويل الأمد.
ويضيف: «حتى الآن، لا يزال مستقبل العملات الرقمية غير واضح المعالم، فقيمتها تعتمد في الأساس على ما يرغب الآخرون في دفعه مقابلها، وليس على أصول حقيقية أو تدفقات نقدية مستقرة». هذا العامل يجعل أسعارها عرضة لتقلبات حادة، قد ترتفع بشكل مفاجئ ثم تهبط بالقدر نفسه، دون ضمانات حقيقية للتعافي.
هدية تعليمية لا استثمارًا مضمونًا
من جانبه، يتبنى آشتون لورانس، المخطط المالي المعتمد ومدير الثروات الأول في شركة Mariner Wealth Advisors بولاية ساوث كارولاينا، رؤية أكثر توازنًا. فهو لا يرفض فكرة إهداء العملات الرقمية تمامًا، لكنه يشدد على ضرورة تقديمها في إطار تعليمي، لا باعتبارها استثمارًا آمنًا أو مضمون العائد.
ويرى لورانس أن العملات الرقمية قد تكون وسيلة فعالة لتعريف الشباب بمفاهيم السوق، والمخاطر، والانضباط المالي، شرط أن يكون ذلك ضمن نطاق محدود ومدروس. أما إذا كان الهدف من الهدية هو بناء ثروة حقيقية على المدى الطويل، فينصح باللجوء إلى أدوات أكثر استقرارًا، مثل الصناديق المتداولة التي تتبع مؤشرات واسعة من الأسهم.
ويؤكد أن الفرق الجوهري يكمن في التوقعات: فإذا كانت التوقعات واقعية ومحدودة، يمكن للعملات الرقمية أن تؤدي دورًا تعليميًا مفيدًا، أما إذا قُدمت على أنها طريق سريع للثراء، فإنها قد تخلق خيبة أمل مبكرة لدى الشباب.

ما القيمة المناسبة لإهداء العملات الرقمية؟
في هذا السياق، يوضح مايك كيسي، المخطط المالي المعتمد ورئيس شركة American Executive Advisors في ولاية فيرجينيا، وأحد المتبنين الأوائل لعملة «بيتكوين»، أن قيمة الهدية الرقمية يجب أن تكون رمزية ومحدودة.
ويشير كيسي إلى أن المبلغ الذي ينصح به الخبراء عادة لا يتجاوز 50 دولارًا في أعياد الميلاد أو المناسبات الخاصة، معتبرًا أن هذا الرقم يمثل نقطة بداية مناسبة للتجربة دون تعريض المتلقي لمخاطر مالية كبيرة.
ويقول: «نحن لا نتحدث عن آلاف أو عشرات الآلاف من الدولارات، بل عن مبلغ بسيط يمكن أن يفتح باب الفضول والتعلم، دون أن يتحول إلى عبء نفسي أو مالي». فالمغزى هنا ليس الربح السريع، بل بناء فهم تدريجي لطبيعة الأسواق.
«بيتكوين» في الصدارة
عند الحديث عن أي عملة رقمية تصلح للإهداء، تتصدر «بيتكوين» المشهد بلا منازع. فبحسب كيسي، تُعد بيتكوين الخيار الأكثر شيوعًا وانتشارًا عالميًا، فضلًا عن كونها العملة الرقمية الأقدم والأكثر شهرة.
ويرجع كيسي تفضيله لبيتكوين إلى عدة عوامل، أبرزها محدودية المعروض منها، ما يجعلها أقرب في سلوكها إلى المعادن الثمينة مثل الذهب. كما أن تاريخها الطويل نسبيًا مقارنة ببقية العملات الرقمية يمنحها قدرًا من المصداقية والاستقرار النسبي، رغم تقلباتها المعروفة.
ويضيف أن بيتكوين أثبتت، على مدار السنوات الماضية، قدرتها على التعافي والنمو بعد كل موجة هبوط حادة. فعلى مدى السنوات الخمس الأخيرة، ارتفع سعر بيتكوين بنحو 74 ألف دولار، محققًا زيادة تتجاوز 400%، رغم التراجعات الدورية التي شهدتها.
وفي أحدث التداولات، تم تداول العملة قرب مستوى 86 ألف دولار، منخفضة بنحو 32% عن أعلى مستوى تاريخي لها الذي بلغ 126 ألف دولار في أكتوبر الماضي. وهو ما يعكس طبيعتها المتقلبة، وفي الوقت نفسه قدرتها على جذب المستثمرين على المدى الطويل.
التقلب كأداة تعليمية
ورغم المخاطر الواضحة، يرى كيسي أن تقلبات بيتكوين قد تكون ميزة تعليمية بحد ذاتها، خاصة للشباب في بداية مشوارهم المالي. فهو يعتقد أن متابعة قيمة الهدية الرقمية صعودًا وهبوطًا على مدار السنوات يمكن أن ترسخ مفهوم الصبر والانضباط الاستثماري.
ويختتم كيسي قائلًا: «هذا هو جوهر الاستثمار الحقيقي. نحن لا نبحث عن مكاسب سريعة، بل عن فهم طويل الأجل. ومن خلال العملات الرقمية، يتعلم الشباب أن التقلبات ليست أمرًا استثنائيًا، بل جزء طبيعي من أي سوق مالية».
وتابع أن هذا النوع من الخبرات المبكرة قد يساعد المستثمرين الشباب لاحقًا على التعامل بهدوء مع تقلبات الأسهم والسندات، بدلًا من الذعر عند أول هبوط.
العملات الرقمية والاقتصاد العالمي
بعيدًا عن الجدل الفردي حول إهداء العملات الرقمية، لا يمكن تجاهل الدور المتنامي الذي تلعبه هذه الأصول في الاقتصاد العالمي. فقد تجاوزت القيمة السوقية للعملات المشفرة عالميًا حاجز 1.1 تريليون دولار خلال العام الحالي، مع انضمام ملايين المستخدمين حول العالم إلى هذا النظام المالي الجديد.
وأصبحت العملات المشفرة تُستخدم في مجالات متعددة، بدءًا من التحويلات المالية العابرة للحدود، مرورًا بالتجارة الإلكترونية، ووصولًا إلى بعض أشكال التمويل اللامركزي. كما توسع استخدامها في عدد من الاقتصادات الناشئة كبديل جزئي للأنظمة المصرفية التقليدية.
وفي عام 2020، كان هناك أكثر من 2000 عملة مشفرة متداولة، فيما امتلك نحو 36.5 مليون أمريكي شكلًا من أشكال العملات الرقمية، ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين وتزايد القبول المجتمعي.
«الذهب الرقمي» في مواجهة التضخم
ورغم أن العملات المشفرة لم تُحدث بعد زلزالًا في الأسواق التقليدية مثل الأسهم أو السندات، فإنها نجحت في ترسيخ مكانتها كأداة استثمارية بديلة. ففي عام 2017 وحده، تدفقت مئات المليارات من الدولارات إلى هذا القطاع، ما عزز المقارنات بينها وبين الذهب، وكرّس مصطلح «الذهب الرقمي».
ويرى مؤيدو العملات الرقمية أنها تمتلك قدرة على الاحتفاظ بالقيمة على المدى الطويل، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من التضخم وعدم الاستقرار الاقتصادي. ويعتقد هؤلاء أن اللامركزية ومحدودية المعروض تمنح هذه العملات ميزة تنافسية مقارنة بالعملات الورقية التقليدية.

بين الحلم والواقع
في المحصلة، يعكس تفضيل جيل زد لتلقي العملات الرقمية كهدية تحولًا ثقافيًا أوسع في النظرة إلى المال والاستثمار. فهذا الجيل، الذي نشأ في عالم رقمي سريع التغير، يبدو أكثر استعدادًا لتجربة أدوات مالية جديدة، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر.
غير أن الخبراء يجمعون على ضرورة التعامل مع هذا التوجه بحذر ووعي. فالعملات الرقمية قد تكون هدية مبتكرة وتعليمية، لكنها ليست بديلًا شاملًا عن الأدوات الاستثمارية التقليدية، ولا ينبغي تقديمها بوصفها طريقًا مضمونًا للثراء.
وبينما يستمر الجدل حول مستقبل هذه الأصول، يبقى الأهم هو ترسيخ ثقافة مالية متوازنة لدى الأجيال الشابة، تقوم على الفهم، والانضباط، وتوزيع المخاطر، سواء كانت البداية بهدية رقمية صغيرة أو باستثمار تقليدي أكثر استقرارًا.




