أزمة إنتل الكبرى: عندما انقلب دعم ترامب من فرصة إنقاذ إلى عبء ثقيل

عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حزمة دعم ضخمة لشركة «إنتل» قُدّرت بنحو 9 مليارات دولار، مصحوبة بتصريحات تؤكد أن الشركة تمثل حجر الزاوية في مشروع «أمريكا أولاً» التكنولوجي، بدا المشهد وكأنه إعلان رسمي عن عودة عملاق الرقائق الأمريكي إلى الصدارة.
المستثمرون تلقفوا الرسالة سريعًا؛ فالرهان السياسي عادة ما يُقرأ في وول ستريت باعتباره ضمانة غير مكتوبة لتدفق الطلبات والعقود الحكومية، وفتح الأبواب أمام شراكات استراتيجية طويلة الأجل.
في غضون خمسة أشهر فقط، قفز سهم إنتل بنسبة تقارب 120%، مدفوعًا بمزيج من التفاؤل السياسي والآمال المعلقة على طفرة الذكاء الاصطناعي، التي كانت تعيد رسم خريطة صناعة أشباه الموصلات عالميًا. لكن ما بدا وكأنه بداية عصر جديد، تحوّل سريعًا إلى مثال صارخ على خطورة «فخ التوقعات» عندما تتقدم الوعود على الجاهزية التشغيلية.
فخ التوقعات: حين يسبق الطلب القدرة على الإنتاج
على عكس ما كان يُخشى، لم تعانِ إنتل من نقص الطلب، بل من العكس تمامًا. فمع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي، انفجرت طلبات العملاء على المعالجات، خصوصًا تلك المخصصة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والتي تُعد اليوم العمود الفقري للبنية التحتية الرقمية الجديدة.
غير أن المفارقة كانت قاسية: الشركة لم تكن مستعدة لهذا الطوفان من الطلبات.
فبعد سنوات من إعادة الهيكلة، وخفض القدرات الإنتاجية في خطوط التصنيع القديمة، وجدت إنتل نفسها عاجزة عن الاستجابة السريعة لاحتياجات السوق. الخطوط التي أُغلقت أو جرى تقليصها باعتبارها «غير استراتيجية»، أصبحت فجأة مطلوبة بشدة.

النتيجة جاءت سريعة ومؤلمة:
انهار سهم إنتل بنحو 17% في جلسة واحدة، لتفقد الشركة أكثر من 46 مليار دولار من قيمتها السوقية، عقب مكالمة أرباح الربع الرابع التي كشف خلالها التنفيذيون عن حجم الإخفاق في تلبية الطلب.
ويعلق ستيسي راسغون، محلل أشباه الموصلات في مؤسسة «بيرنشتاين»، قائلًا:
«السهم ارتفع بشكل عمودي بناءً على التوقعات. نظريًا، كان ينبغي أن تكون إنتل في موقع يسمح لها بالاستفادة من هذا الطلب. لكنها ببساطة لم تكن جاهزة».
أزمة الثقة: السياسة لا تُصلح الأعطال التشغيلية
ما اتضح سريعًا هو أن «تصويت الثقة» القادم من البيت الأبيض، مهما بلغت قوته الرمزية، لا يكفي وحده لإصلاح أعطال تشغيلية تراكمت على مدار سنوات.
صحيح أن صفقة إدارة ترامب، التي تضمنت تحويل المنح الفيدرالية إلى ما يشبه حصة أمريكية استراتيجية في إنتل، ساهمت مؤقتًا في تغيير المزاج العام تجاه الشركة، لكن هذا التحول كان هشًا.
زاد التفاؤل مع دخول «سوفت بنك» بضخ ملياري دولار إضافيين، ومع إعلان «إنفيديا» عن اتفاقية لتصميم رقائق مخصصة بالتعاون مع إنتل، وهو ما فُسّر حينها باعتراف ضمني بقدرة الشركة على العودة إلى قلب الصناعة.
لكن عندما جلس المستثمرون لمتابعة مكالمة الأرباح، كانوا ينتظرون أدلة ملموسة:
-
تقدم حقيقي في أعمال «المسبك» التي تستنزف السيولة.
-
أو على الأقل إشارات واضحة إلى أن إنتل ستستفيد من موجة الذكاء الاصطناعي التي رفعت أسهم منافسيها إلى مستويات قياسية.
بدلًا من ذلك، تلقى السوق تذكيرًا صارخًا بأن مشاكل إنتل ليست ظرفية، بل هيكلية، وأن طريق التعافي أطول وأكثر تعقيدًا مما توحي به البيانات السياسية.
ضياع الفرص: معضلة «البيضة أم الدجاجة»
أحد أبرز أوجه الأزمة يتمثل في فشل إنتل حتى الآن في جذب عملاء رئيسيين لتقنية التصنيع من الجيل القادم المعروفة باسم «14A»، والتي تُعد حجر الأساس في استراتيجية الشركة طويلة الأمد.
المشكلة هنا مزدوجة:
-
إنتل لا تريد استثمار مليارات الدولارات في بناء مرافق جديدة دون وجود عقود مؤكدة.
-
وفي المقابل، يتردد العملاء في الالتزام دون رؤية قدرة إنتاجية قائمة وجداول زمنية واضحة.
هذه المعضلة، التي تشبه سؤال «البيضة أم الدجاجة»، أدت إلى تأجيل مستمر في الجداول الزمنية، في وقت لا ينتظر فيه المنافسون.
شركة «TSMC» التايوانية، الخصم اللدود لإنتل، تضخ استثمارات ضخمة في مصانع أمريكية جديدة، متقدمة بخطوات ثابتة نحو السيطرة على السوق.

حتى الفرصة التي بدت مضمونة – الطلب المتزايد من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على وحدات المعالجة المركزية – ضاعت بسبب نقص الإمدادات.
ليب-بو تان، الرئيس التنفيذي لإنتل، اعترف بذلك صراحة خلال المكالمة قائلاً:
«أشعر بخيبة أمل لأننا لم نتمكن بشكل كامل من تلبية طلبات الأسواق».
وأضاف المدير المالي ديفيد زينسنر بلهجة لا تخلو من القلق:
«نحن ندير الأمر حرفيًا بما يتوفر لدينا. ما نستطيع إخراجه من المصنع وتوصيله للعملاء هو كل ما نملكه».
تركة غيلسينجر: قرارات مكلفة وواقع ثقيل
جزء كبير من التحديات الحالية يعود إلى الإرث الثقيل الذي ورثه ليب-بو تان عند توليه المنصب في مارس، خلفًا للرئيس التنفيذي السابق بات غيلسينجر، الذي تقاعد في ديسمبر 2024.
في عهد غيلسينجر، التزمت إنتل بمليارات الدولارات لبناء مصانع ضخمة ومكلفة، على أمل جذب عملاء كبار لأعمال التصنيع التعاقدي. لكن هؤلاء العملاء لم يظهروا أبدًا بالحجم المتوقع، تاركين الشركة عالقة بتكاليف تشغيلية هائلة.
نتيجة لذلك، تكبدت أعمال التصنيع وحدها خسائر تجاوزت 10 مليارات دولار خلال العام الماضي، ما جعل الاستمرار في نفس النهج أمرًا غير قابل للاستدامة.
المفارقة أن الرهان على «المستقبل» جاء على حساب «الحاضر».
فمع حلول النصف الثاني من عام 2025، بدأت شركات مثل «OpenAI» و«AWS» و«جوجل» تدرك أن تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي يتطلب وحدات معالجة مركزية أكثر وأقوى مما كان يُعتقد سابقًا.
وفجأة، انهالت الطلبات على معالجات قديمة نسبيًا من إنتاج إنتل، لكن القدرة التصنيعية اللازمة كانت قد أُغلقت بالفعل.
خطة الطوارئ: محاولة اللحاق بالركب
في يوليو الماضي، سجلت إنتل خسارة انخفاض قيمة بنحو 800 مليون دولار، نتيجة بيع معدات تصنيع قديمة بخسارة، بعد أن اعتقدت أنها لم تعد بحاجة إليها.
اليوم، تجد الشركة نفسها في موقف معاكس تمامًا: المخزون نفد، والطلب قائم، والقدرة الإنتاجية محدودة.
رد الإدارة جاء عبر إعلان نية زيادة الإنفاق على المعدات بشكل كبير بدءًا من عام 2026.
يقول ديفيد زينسنر:
«سنخصص المزيد من دولاراتنا للأدوات. نحن بصدد رفع الإنفاق على المعدات في 2026 مقارنة بـ2025 لمعالجة نقص الإمدادات».
في الوقت نفسه، تحاول الإدارة تهدئة التوقعات بشأن تقنية «14A»، مؤكدة أن دخولها مرحلة الإنتاج الكامل لن يكون قبل 2028 أو 2029، وأنها «رحلة طويلة تتطلب صبرًا وعزيمة».

بين السياسة والصناعة
قصة إنتل في هذه المرحلة تختصر صراعًا أوسع في صناعة التكنولوجيا:
السياسة يمكنها أن تمنح دفعة، وتخلق مناخًا إيجابيًا، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض سنوات من القرارات الخاطئة أو فجوات التنفيذ.
ما تواجهه إنتل اليوم ليس مجرد أزمة طلب أو عرض، بل اختبار لقدرتها على إعادة بناء الثقة – ليس في الأسواق فقط، بل في قدرتها الداخلية على تنفيذ ما تعد به.
وبينما يواصل المنافسون التقدم، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تنجح إنتل في تحويل هذه العثرة إلى نقطة انطلاق جديدة؟ أم أن فخ التوقعات سيظل يطاردها في سباق لا يرحم؟




