منصة «ThrowMeNot» الإماراتية تجمع 550 ألف دولار لمكافحة هدر الطعام عبر حل رقمي مبتكر

في وقت تتسارع فيه وتيرة البحث عن حلول مبتكرة لمواجهة التحديات البيئية والاقتصادية، برزت منصة إماراتية ناشئة كأحد النماذج الرقمية الواعدة التي تسعى إلى تحويل أزمة هدر الطعام من عبء بيئي إلى فرصة اقتصادية مستدامة. فقد أعلنت منصة ThrowMeNot، المتخصصة في إعادة توزيع المنتجات القريبة من انتهاء الصلاحية والفائضة عن الحاجة، عن إغلاق جولة تمويلية ما قبل البداية (Pre-Seed) بقيمة 550 ألف دولار، في خطوة تعكس ثقة المستثمرين في نموذج أعمال يجمع بين الاستدامة والجدوى التجارية.
الجولة الاستثمارية جاءت بقيادة الشيخ أحمد بن مانع بن خليفة سعيد آل مكتوم، وتهدف إلى دعم خطط المنصة التوسعية داخل دولة الإمارات، تمهيدًا للانطلاق لاحقًا نحو أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ضمن رؤية أوسع لبناء منظومة رقمية متكاملة لمكافحة الهدر وتعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول.
حل رقمي لمشكلة مزمنة
يمثّل هدر الطعام أحد أبرز التحديات البيئية والاجتماعية في العالم، وتزداد حدّته في دول المنطقة التي تشهد مستويات مرتفعة من الاستهلاك. وفي دولة الإمارات وحدها، تشير التقديرات إلى أن نحو 3.27 مليون طن من الطعام تُهدر سنويًا، وهي أرقام تعكس حجم الفاقد الغذائي وتأثيره المباشر على الموارد الطبيعية والاقتصاد الوطني.
من هذا الواقع انطلقت فكرة ThrowMeNot، التي تأسست عام 2025 على يد رائد الأعمال الإماراتي آرتشي روديوك، الذي يمتلك خبرة تتجاوز عشر سنوات في مجالات التجارة الرقمية، والشراكات المالية، والتجارة الإلكترونية. وقد جاءت المنصة استجابة لحاجة ملحّة إلى حلول عملية قادرة على ربط أطراف السوق المختلفة ضمن نموذج ذكي يقلّل الهدر ويعزز الكفاءة.
كيف تعمل ThrowMeNot؟
تعتمد المنصة على نموذج رقمي يربط بين الموردين—مثل المتاجر الكبرى، والمطاعم، والمصنّعين—والمستهلكين النهائيين، من خلال عرض المنتجات القريبة من انتهاء الصلاحية أو الفائضة عن الحاجة بأسعار مخفضة قد تصل إلى 90% من سعرها الأصلي.
وبدلًا من التخلص من هذه المنتجات وتحمل خسائر مادية وبيئية، تتيح ThrowMeNot للموردين فرصة استرداد جزء من قيمتها، في حين يحصل المستهلكون على منتجات عالية الجودة بأسعار مناسبة. وبهذا النموذج، تتحول عملية تقليل الهدر من عبء تشغيلي إلى فرصة ربحية للطرفين.

تصريح المؤسس: من الرؤية إلى التطبيق
وفي تعليق له على إطلاق الجولة التمويلية، قال المؤسس المشارك آرتشي روديوك:
“في الإمارات يُقدّر أن 3.27 مليون طن من الطعام تُهدر سنويًا. أطلقنا ThrowMeNot لتمكين الموردين من استرداد قيمة المنتجات القريبة من انتهاء الصلاحية، وتقديم منتجات عالية الجودة بأسعار معقولة للمستهلكين.”
هذا التصريح يلخّص جوهر الرؤية التي تقوم عليها المنصة، والتي لا تكتفي بمعالجة المشكلة من منظور أخلاقي أو بيئي فقط، بل تتعامل معها كفرصة لبناء نموذج اقتصادي أكثر كفاءة وعدالة.
استثمار في البنية التشغيلية واللوجستية
بحسب الشركة، ستُوظَّف عائدات الجولة التمويلية في عدة مسارات رئيسية، أبرزها:
-
توسيع فريق العمل، لا سيما في مجالات التقنية، وإدارة العمليات، وخدمة العملاء
-
تعزيز قدرات التوصيل والخدمات اللوجستية لضمان سرعة وكفاءة إيصال المنتجات
-
تحسين تجربة المستخدم عبر تطوير المنصة الرقمية ورفع مستوى الموثوقية والشفافية
وتُعد هذه الجوانب حاسمة في نجاح أي منصة تعمل في مجال إعادة توزيع المنتجات الغذائية، حيث ترتبط ثقة المستخدمين ارتباطًا وثيقًا بجودة الخدمة وسلامة المنتجات.
الاستدامة كقيمة اقتصادية
ما يميّز ThrowMeNot عن العديد من المبادرات البيئية التقليدية هو اعتمادها على نموذج يحقق قيمة مزدوجة:
-
تقليل الهدر الغذائي والحد من الأثر البيئي الناتج عن التخلص من الطعام
-
تحقيق عائد اقتصادي للموردين بدلًا من تحمّل خسائر الإتلاف
-
توفير خيارات شراء منخفضة التكلفة للمستهلكين، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة
هذا التوازن بين الاستدامة والربحية يعكس تحولًا أوسع في عالم ريادة الأعمال، حيث لم تعد الحلول البيئية تُطرح كتكلفة إضافية، بل كجزء من منظومة اقتصادية ذكية قادرة على خلق قيمة مستدامة.
الاقتصاد الدائري في صلب النموذج
تنتمي ThrowMeNot إلى جيل جديد من الشركات الناشئة التي تتبنى مفهوم الاقتصاد الدائري، والذي يقوم على إعادة استخدام الموارد وتقليل الفاقد إلى الحد الأدنى. وبدلًا من نموذج “الإنتاج–الاستهلاك–التخلص”، تسعى المنصة إلى إطالة دورة حياة المنتجات الغذائية، وتحقيق أقصى استفادة ممكنة منها.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في دول الخليج، التي تسعى إلى تحقيق توازن بين أنماط الاستهلاك الحديثة ومتطلبات الاستدامة البيئية، ضمن رؤى وطنية طويلة المدى.
خطط التوسع داخل الإمارات
في المرحلة المقبلة، تخطط ThrowMeNot لتوسيع نطاق عملياتها لتشمل جميع إمارات الدولة، عبر بناء شبكة أوسع من الشركاء والموردين، وزيادة قاعدة المستخدمين من الأفراد والعائلات.
كما تعمل الشركة على تطوير شراكات مع جهات محلية ومبادرات مجتمعية، بهدف تعزيز الوعي بقضية هدر الطعام، وتحويل المنصة إلى جزء من نمط الحياة اليومية للمستهلك الإماراتي.
الانطلاق نحو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
على المدى المتوسط والطويل، تستهدف المنصة التوسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي منطقة تشترك في تحديات متشابهة تتعلق بهدر الغذاء، وارتفاع معدلات الاستهلاك، والحاجة إلى حلول رقمية مرنة.
وترى الشركة أن نموذجها قابل للتكيّف مع أسواق مختلفة، خاصة في ظل تنامي الاهتمام الحكومي والخاص بمبادرات الاستدامة، والاقتصاد الأخضر، والتحول الرقمي.

ما بعد الغذاء: منظومة استدامة أوسع
لا تقتصر طموحات ThrowMeNot على قطاع الغذاء فقط، إذ تخطط الشركة لبناء نظام بيئي أوسع يشمل منتجات وخدمات ومبادرات مستدامة في مجالات متعددة، من بينها السلع الاستهلاكية اليومية، والمنتجات القابلة لإعادة الاستخدام، وربما حلول إعادة التدوير مستقبلاً.
وتهدف هذه الرؤية إلى تحويل المنصة من مجرد تطبيق لشراء المنتجات المخفضة، إلى منظومة رقمية متكاملة تعزز ثقافة الاستهلاك الواعي وتدعم التحول نحو أنماط حياة أكثر استدامة.
مستقبل واعد في سوق متعطّش للحلول
مع تزايد الضغوط البيئية والاقتصادية، وارتفاع وعي المستهلكين بقضايا الاستدامة، تبدو فرص النمو أمام منصات مثل ThrowMeNot كبيرة. فالجمع بين التكنولوجيا، والاستدامة، والربحية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة تفرضها متغيرات السوق.
وبإغلاق جولتها التمويلية الأولى، تكون ThrowMeNot قد وضعت قدمها على طريق طويل، تسعى من خلاله إلى إعادة تعريف العلاقة بين الطعام، والاستهلاك، والمسؤولية المجتمعية، ليس فقط في الإمارات، بل في المنطقة بأسرها.




