لماذا تؤجل «سامسونج» إطلاق «Galaxy S26» رغم تحقيقها أرباحًا قياسية؟

في وقت تستعد فيه شركة سامسونج للإلكترونيات لتسجيل أعلى ربح تشغيلي فصلي في تاريخها، تتكشف في المقابل ملامح مفارقة لافتة داخل عملاق التكنولوجيا الكوري الجنوبي، تعكس تباينًا واضحًا بين قوة الأداء المالي وحالة التريث الإستراتيجي التي تحيط بأحد أهم منتجاتها الاستهلاكية، وهو قطاع الهواتف الذكية، وتحديدًا الجيل المنتظر Galaxy S26.
فبينما تندفع أرباح الشركة مدفوعة بطفرة عالمية غير مسبوقة في أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تتزايد المؤشرات على أن سامسونج قد تعيد النظر في جدول إطلاق هواتفها الرائدة، مع ترجيحات بتأجيل الكشف عن سلسلة Galaxy S26 عن موعدها السنوي المعتاد، في خطوة تعكس تحولات أعمق في أولويات الشركة واستراتيجياتها المستقبلية.
أرباح قياسية… وذروة تاريخية غير مسبوقة
بحسب التقديرات الأولية التي أعلنتها سامسونج، توقعت الشركة أن تبلغ أرباحها التشغيلية خلال الربع الأخير من عام 2025 نحو 20 تريليون وون كوري، مسجلة قفزة سنوية قوية تعكس تحسنًا جذريًا في أدائها مقارنة بالعام السابق.
وتأتي هذه القفزة مدفوعة بشكل أساسي بالانتعاش الكبير في قطاع أشباه الموصلات، ولا سيما رقائق الذاكرة عالية الأداء المستخدمة في تشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، والتي تشهد طلبًا عالميًا متسارعًا من شركات التكنولوجيا العملاقة ومراكز البيانات حول العالم.
كما رجحت سامسونج أن تصل إيراداتها الفصلية إلى قرابة 93 تريليون وون، في إشارة واضحة إلى زخم غير مسبوق في أعمالها الأساسية، يعكس تحول الشركة من مرحلة التعافي بعد تباطؤ السوق، إلى مرحلة الهيمنة الربحية في قطاعاتها الأكثر تقدمًا تقنيًا.
ويمثل هذا الأداء، وفق مراقبين، أعلى ربح تشغيلي فصلي تحققه شركة كورية على الإطلاق، متجاوزًا الرقم القياسي السابق الذي سجلته سامسونج نفسها خلال الربع الثالث من عام 2018، حين بلغت أرباحها آنذاك نحو 17.6 تريليون وون.

أشباه الموصلات… المحرك الرئيسي للأرباح
ورغم أن سامسونج لم تفصح بعد عن التفاصيل القطاعية الدقيقة، إلا أن إجماع المحللين يشير إلى أن نشاط أشباه الموصلات كان المحرك الرئيسي لهذه النتائج الاستثنائية، وتحديدًا رقائق الذاكرة من نوعي DRAM وNAND المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
وشهدت أسعار هذه الرقائق ارتفاعًا ملحوظًا خلال النصف الثاني من 2025، نتيجة زيادة الطلب العالمي وتقليص المعروض، بعد فترة طويلة من تراجع الأسعار خلال عامي 2023 و2024.
كما استفادت سامسونج من تحسين هوامش الربح، في ظل تركيزها على إنتاج رقائق عالية القيمة بدلًا من المنتجات الأقل ربحية، ما منحها قدرة أكبر على تعظيم العائد من كل وحدة إنتاج.
ويؤكد محللون أن نتائج سامسونج الفعلية جاءت على الأرجح أعلى من متوسط توقعات شركات الوساطة، سواء على مستوى الإيرادات أو الأرباح التشغيلية، وهو ما عزز ثقة المستثمرين في قدرة الشركة على قيادة موجة الذكاء الاصطناعي الصناعية.
طفرة الذكاء الاصطناعي تعيد رسم الأولويات
تعكس هذه القفزة المالية كيف أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل خريطة الأولويات داخل سامسونج، ليس فقط على مستوى الاستثمارات، بل أيضًا في توجهات البحث والتطوير وتخصيص الموارد.
فخلال العامين الأخيرين، وجهت الشركة جزءًا متزايدًا من استثماراتها نحو الرقائق المتقدمة المصممة خصيصًا لتلبية احتياجات الذكاء الاصطناعي، سواء في مراكز البيانات أو الأجهزة الذكية أو السيارات.
وساعد هذا التحول الإستراتيجي على:
-
رفع أسعار البيع
-
تقليص الفائض في السوق
-
تحسين معدلات التشغيل
-
وتعزيز الربحية الإجمالية
وفي المقابل، بدا أن بعض القطاعات الاستهلاكية التقليدية، وعلى رأسها الهواتف الذكية، دخلت مرحلة من إعادة التقييم، في ظل اشتداد المنافسة وتباطؤ وتيرة الابتكار القادر على إقناع المستهلكين بالترقية السريعة.

Galaxy S26… تأجيل يطرح تساؤلات
في خضم هذا الأداء المالي القوي، كشفت تسريبات وتقارير متخصصة عن أن سامسونج قد تعتزم تأجيل الكشف عن سلسلة Galaxy S26 مقارنة بجدولها الزمني المعتاد.
ووفقًا للمعلومات المتداولة، يُرجح أن يتم الإعلان الرسمي عن السلسلة في أواخر فبراير 2026 بدلًا من يناير أو أوائل فبراير، على أن تبدأ عمليات الطرح في الأسواق خلال أوائل مارس.
ويمثل هذا التغيير خروجًا نسبيًا عن التقليد السنوي الذي دأبت عليه سامسونج لسنوات، حيث اعتادت الكشف عن هواتفها الرائدة في وقت مبكر من العام لمواجهة المنافسة المباشرة مع أجهزة آيفون.
ويأتي هذا التأجيل المحتمل في وقت تسجل فيه الشركة قوة مالية غير مسبوقة، وهو ما يسلط الضوء على اختلاف واضح في إيقاع القرار بين:
-
قطاع أشباه الموصلات الذي يعيش ذروة الطلب،
-
وقطاع الهواتف الذكية الذي يبدو أكثر حذرًا في إدارة دورات الإطلاق.
إعادة تقييم تشكيلة الهواتف الرائدة
تشير معلومات أخرى إلى أن سامسونج كانت تدرس خلال الأشهر الماضية تعديلًا جوهريًا في تشكيلة هواتفها الرائدة، عبر الاستغناء عن إصدار Plus واستبداله بنسخة Edge فائقة النحافة، في محاولة لتقديم تصميم أكثر جاذبية وتميزًا.
إلا أن الأداء التجاري المتواضع لأحد الطرازات السابقة، بحسب تسريبات السوق، دفع الشركة إلى إعادة النظر في هذا التوجه، والعودة إلى التركيز على صيغة أكثر تقليدية تلبي توقعات شريحة أوسع من المستخدمين.
ويعتقد محللون أن هذه المراجعة الداخلية العميقة في إستراتيجية المنتجات كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء قرار تأجيل إطلاق Galaxy S26، في محاولة لإعادة ضبط التشكيلة النهائية قبل الدخول في دورة منافسة جديدة مع آبل والشركات الصينية.
سوق الهواتف… منافسة أكثر شراسة
يأتي هذا التريث في وقت يشهد فيه سوق الهواتف الذكية تشبعًا نسبيًا في العديد من المناطق، مع تباطؤ معدلات الاستبدال، وارتفاع أسعار الأجهزة الرائدة إلى مستويات غير مسبوقة.
كما تواجه سامسونج منافسة متصاعدة من:
-
آبل في الفئة العليا
-
الشركات الصينية مثل شاومي وأوبو وهواوي في الفئات المتوسطة والعليا
ما يفرض على الشركة تحقيق توازن دقيق بين الابتكار، والتكلفة، وتوقيت الإطلاق.
مفارقة سامسونج: أرباح تقودها الرقائق وحذر في الهواتف
تعكس هذه التطورات مفارقة واضحة في مسار سامسونج الحالي:
-
أرباح قياسية تقودها طفرة الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات
-
مقابل حذر متزايد في قطاع الهواتف الذكية، الذي لطالما شكل الواجهة الاستهلاكية الأبرز للشركة
وفي ظل هذا التباين، يبدو أن سامسونج تفضل منح نفسها وقتًا إضافيًا لإعادة ترتيب أوراقها في سوق الهواتف، حتى وإن جاء ذلك على حساب الالتزام بالجدول الزمني المعتاد، مستندة إلى قوة مالية غير مسبوقة يوفرها قطاع الرقائق.

قراءة مستقبلية: سامسونج تعيد تعريف أولوياتها
في المحصلة، لا يبدو تأجيل Galaxy S26 إشارة ضعف، بقدر ما يعكس تحولًا إستراتيجيًا أوسع داخل سامسونج، حيث لم تعد الهواتف الذكية وحدها مركز الثقل، بل أصبحت جزءًا من منظومة أكبر تقودها الرقائق، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات العميقة.
ومع استمرار الطلب العالمي على أشباه الموصلات، تمتلك سامسونج مساحة أوسع للمناورة، واتخاذ قرارات أكثر تحفظًا في قطاع الهواتف، دون أن يؤثر ذلك سلبًا على أدائها المالي أو مكانتها العالمية.
وبينما يترقب المستهلكون إطلاق Galaxy S26، تواصل سامسونج إعادة رسم خريطتها المستقبلية، واضعة الذكاء الاصطناعي في قلب معادلة النمو، حتى لو تطلب ذلك كسر بعض القواعد الزمنية التي اعتادت عليها الأسواق.




