يلا تيك

فاتورة الذكاء الاصطناعي الثقيلة تهوي بسهم «أمازون» وتفقدها ربع تريليون دولار

في مشهد يعكس القلق المتزايد داخل الأسواق المالية العالمية، فقدت شركة «أمازون» ما يقرب من 240 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال جلسة تداول واحدة، بعد هبوط حاد لسهمها بنسبة قاربت 10% مع انطلاق التداولات، في واحدة من أقسى الضربات التي يتلقاها عملاق التجارة الإلكترونية خلال العام الجاري.

هذا التراجع لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء كمؤشر واضح على تصاعد مخاوف المستثمرين من وتيرة الإنفاق الهائلة التي تضخها كبرى شركات التكنولوجيا في سباق الذكاء الاصطناعي، وسط تساؤلات متزايدة حول العائد الحقيقي على هذه الاستثمارات، وجدواها على المديين المتوسط والطويل.

قلق «وول ستريت» من سباق الإنفاق

جاءت موجة البيع المكثفة عقب إعلان «أمازون» عزمها زيادة إنفاقها الرأسمالي بنحو 200 مليار دولار على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو رقم ضخم فاق تقديرات السوق، وأعاد إلى الأذهان ذكريات فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه باعتباره المحرك الأكبر للنمو التكنولوجي في العقد المقبل، فإن حجم الإنفاق المطلوب لبناء مراكز بيانات عملاقة، وتطوير الرقائق المتقدمة، وتوسيع شبكات الحوسبة السحابية، بات يضغط بقوة على ثقة المستثمرين، الذين يخشون من تآكل الأرباح قصيرة الأجل.

موجة بيع تمتد إلى قطاع التكنولوجيا

لم تقتصر التداعيات على «أمازون» وحدها، بل امتدت إلى السوق الأوسع، حيث شهدت وول ستريت جلسة مضطربة تراجع خلالها مؤشر «ناسداك» المثقل بأسهم التكنولوجيا بنسبة 1.6% في يوم واحد، قبل أن تشهد الأسهم الأمريكية تعافيًا محدودًا في التداولات المبكرة لاحقًا.

وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد المنافسة بين عمالقة التكنولوجيا، إذ أعلنت «جوجل» قبل يوم واحد فقط من بيان «أمازون» أن إنفاقها على الذكاء الاصطناعي سيتضاعف هذا العام ليصل إلى 185 مليار دولار، في ما وصفه محللون بأنه سباق تسلح تقني لا يترك مجالًا للتراجع.

650 مليار دولار… فاتورة عام واحد

وفق تقديرات السوق، فإن إجمالي الإنفاق الرأسمالي على مشاريع الذكاء الاصطناعي من قبل كل من «أمازون» و«جوجل» و«ميتا» و«مايكروسوفت» مرشح لأن يبلغ نحو 650 مليار دولار خلال عام واحد فقط، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ صناعة التكنولوجيا.

هذا الحجم الضخم من الاستثمارات أعاد فتح النقاش حول ما إذا كانت الشركات العملاقة تبالغ في الرهان على الذكاء الاصطناعي، أم أنها تستبق مرحلة تاريخية ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.

هل نحن أمام فقاعة جديدة؟

ورغم المقارنات التي عقدها البعض بين ما يجري حاليًا وما حدث في عام 2000، ترى أصوات داخل القطاع الاستثماري أن الصورة أكثر تعقيدًا.
وقالت فابيانا فيديلي، رئيسة قسم الاستثمار في الأسهم بشركة M&G Investments، إن موجة البيع الأخيرة تمثل «تعديلًا ذا مغزى في السوق، وليس انهيارًا هيكليًا في دورة استثمار الذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن الظروف الحالية تختلف جذريًا عن فقاعة الإنترنت، مشيرة إلى أن الشركات التي تقود الإنفاق اليوم تتمتع بتدفقات نقدية قوية، وقواعد أعمال راسخة، ومرونة مالية تسمح لها بامتصاص أي أخطاء في تخصيص رأس المال.

أداء «أمازون» المالي… أرقام قوية لكن التوقعات تقلق

على الرغم من الهبوط الحاد في السهم، أظهرت نتائج «أمازون» المالية صورة مختلطة.
إذ أعلنت الشركة أنها تتوقع دخلًا تشغيليًا يتراوح بين 16.5 و21.5 مليار دولار خلال الربع الأول، وهو أقل من متوسط توقعات المحللين البالغة 22.2 مليار دولار، ما زاد من قلق الأسواق.

في المقابل، سجلت الشركة ربحية سهم بلغت 1.95 دولار على إيرادات وصلت إلى 213.4 مليار دولار، مقارنة بتوقعات عند 1.96 دولار وإيرادات قدرها 211.5 مليار دولار، وهو ما يعكس استمرار النمو، وإن بوتيرة أبطأ من طموحات المستثمرين.

رهان طويل الأجل على الذكاء الاصطناعي

وأوضح آندي جاسي، الرئيس التنفيذي لـ«أمازون»، أن الشركة تعتزم تخصيص أكثر من 200 مليار دولار للإنفاق الرأسمالي حتى عام 2026، مقارنة بخطة إنفاق بلغت 125 مليار دولار في 2025، مؤكدًا أن هذه الاستثمارات تستهدف بناء بنية تحتية قادرة على تلبية الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي.

وأشار جاسي إلى أن الإنفاق سيتركز على مراكز البيانات، وتطوير الرقائق، والروبوتات، والأقمار الصناعية منخفضة المدار، معتبرًا أن هذه المجالات تشكل العمود الفقري للمرحلة المقبلة من نمو الشركة.

«AWS»… نقطة القوة الأبرز

واصل قطاع الحوسبة السحابية، ممثلًا في «خدمات أمازون ويب – AWS»، لعب دور محوري في نتائج الشركة، حيث حقق إيرادات بلغت 35.6 مليار دولار، متجاوزًا توقعات السوق التي قدرتها بنحو 34.9 مليار دولار.

ويُنظر إلى «AWS» باعتباره المستفيد الأكبر من طفرة الذكاء الاصطناعي، نظرًا لاعتماد الشركات الناشئة والكبرى على خدمات الحوسبة السحابية لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

الإعلانات والتجارة الإلكترونية… نمو متوازن

إلى جانب الحوسبة السحابية، سجلت إيرادات الإعلانات داخل منظومة «أمازون» نحو 21.3 مليار دولار، في حين بلغت مبيعات المتاجر الإلكترونية حوالي 83 مليار دولار، ما يعكس استمرار قوة النموذج التجاري الأساسي للشركة، رغم التحديات.

إعادة هيكلة واسعة وتقليص للوظائف

في موازاة التوسع الاستثماري، أعلنت «أمازون» تنفيذ خطة إعادة هيكلة تنظيمية واسعة، تشمل خفض نحو 16 ألف وظيفة، في خطوة تهدف إلى تقليل البيروقراطية وتحسين الكفاءة التشغيلية.

كما قررت الشركة إغلاق عدد من متاجر «أمازون فريش» و«أمازون جو»، واستبدال بعضها بفروع تابعة لسلسلة «هول فودز»، في محاولة لإعادة ترتيب أولوياتها داخل قطاع التجزئة التقليدية.

توجه عام داخل عمالقة التكنولوجيا

وتعكس هذه التحركات توجهًا أوسع داخل شركات التكنولوجيا الكبرى، التي باتت تجمع بين الاستثمار المكثف في الذكاء الاصطناعي من جهة، وخفض التكاليف وإعادة الهيكلة من جهة أخرى، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين النمو والانضباط المالي.

أداء الأسهم منذ بداية العام

وعلى أساس سنوي، تراجع سهم «أمازون» بأكثر من 10% منذ بداية العام، بينما سجل سهم «مايكروسوفت» انخفاضًا تجاوز 15%، في حين نجحت أسهم «جوجل» في تحقيق مكاسب خلال الفترة نفسها، مدفوعة بتفاؤل المستثمرين حول استراتيجيتها في الذكاء الاصطناعي.

فاتورة الذكاء الاصطناعي الثقيلة تهوي بسهم «أمازون» وتفقدها ربع تريليون دولار
فاتورة الذكاء الاصطناعي الثقيلة تهوي بسهم «أمازون» وتفقدها ربع تريليون دولار

بين الطموح والمخاطرة

في المحصلة، يقف قطاع التكنولوجيا اليوم عند مفترق طرق؛ فبينما يحمل الذكاء الاصطناعي وعودًا هائلة بإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، فإن تكلفة هذا التحول باتت محل نقاش ساخن داخل الأسواق.

ويبقى السؤال الأبرز:
هل تمثل هذه الاستثمارات الضخمة الأساس لعصر ذهبي جديد لشركات التكنولوجيا، أم أنها تحمل في طياتها بذور تصحيح مؤلم قد تعيد رسم خريطة القطاع بأكمله؟

الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى