صفقة «تيك توك» ترفع ثروة لاري إليسون وتعيده إلى المركز الثالث بين أغنى أغنياء العالم
لاري إليسون يتقدم إلى المركز الثالث عالميًا في قائمة أثرياء العالم
شهدت قائمة أغنى أغنياء العالم تغيرًا لافتًا خلال الأيام الماضية، بعدما حلّ الملياردير الأميركي لاري إليسون، رئيس مجلس إدارة شركة أوراكل، في المركز الثالث عالميًا، متجاوزًا مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس، في واحدة من أسرع القفزات في ترتيب الثروات خلال عام واحد.
وجاء هذا التحول عقب ارتفاع قوي في أسهم شركة أوراكل، مدفوعًا بإعلان توصل تطبيق «تيك توك» إلى اتفاق مع أوراكل ومستثمرين أميركيين لتأسيس مشروع مشترك جديد يتولى إدارة أعمال التطبيق داخل الولايات المتحدة، في خطوة أعادت الزخم إلى سهم الشركة وألقت بظلالها مباشرة على ثروة مؤسسها.
قفزة بمليارات الدولارات في يوم واحد
ووفقًا لأحدث التقديرات، بلغت ثروة لاري إليسون نحو 244.8 مليار دولار، بعد أن سجلت زيادة ضخمة قُدرت بنحو 15 مليار دولار خلال يوم واحد فقط، وهو رقم يعكس مدى ارتباط ثروات كبار المليارديرات بحركة الأسهم، لا سيما في شركات التكنولوجيا العملاقة.

وبهذا التقدم، تجاوز إليسون ثروة جيف بيزوس، التي تُقدّر حاليًا بنحو 239 مليار دولار، ليحتل المركز الثالث خلف لاري بايج، المؤسس المشارك لشركة «جوجل»، صاحب ثروة تبلغ نحو 250.1 مليار دولار، بينما يواصل إيلون ماسك تصدر القائمة بثروة تقدر بنحو 680.4 مليار دولار، في صدارة يصعب منافستها في الوقت الراهن.
من المركز الثاني إلى الثالث… تقلبات السوق لا ترحم
اللافت أن لاري إليسون لم يكن غريبًا عن المراكز المتقدمة في قائمة الأثرياء؛ إذ سبق أن وصل في وقت سابق إلى المركز الثاني عالميًا، بل ودوّن اسمه في التاريخ كونه ثاني شخص تتجاوز ثروته حاجز 400 مليار دولار خلال أكتوبر الماضي، قبل أن يتراجع ترتيبه مؤقتًا خلال الأسابيع اللاحقة، نتيجة تقلبات سهم أوراكل وتغيرات المزاج الاستثماري في أسواق التكنولوجيا.
غير أن الاتفاق الأخير المتعلق بـ«تيك توك» أعاد الثقة إلى السهم، ومن ثم إلى ثروة إليسون، ليؤكد مرة أخرى أن الاستثمارات الاستراتيجية طويلة الأجل قد تعوض أي تراجع مؤقت في الأسواق.
تيك توك وأوراكل… شراكة أعادت تشكيل الثروة
لماذا لعب «تيك توك» دورًا محوريًا؟
برزت شركة أوراكل منذ وقت مبكر من العام الجاري كأحد أهم المرشحين لإدارة أو الاستحواذ على أعمال «تيك توك» في الولايات المتحدة، وسط ضغوط سياسية وتشريعية متزايدة على الشركة الصينية المالكة للتطبيق «بايت دانس».
ووفق تقارير متداولة، فإن بيانات المستخدمين الأميركيين ستخضع لإدارة أوراكل داخل منشآت الشركة في ولاية تكساس، في محاولة لمعالجة المخاوف الأمنية المتعلقة بخصوصية البيانات، ومنع وصول أطراف أجنبية إليها.
قرارات سياسية أعادت خلط الأوراق
في هذا السياق، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال ولايته، تمديد المهلة الممنوحة لشركة بايت دانس عدة مرات للتخلي عن أعمال تيك توك داخل الولايات المتحدة، ملوّحًا بحظر التطبيق نهائيًا في حال عدم الامتثال للقوانين الأميركية.
وتشير التقديرات إلى أن القيمة السوقية التقديرية لشركة «تيك توك» الجديدة في الولايات المتحدة بلغت نحو 14 مليار دولار، بحسب تصريحات سابقة لنائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس في سبتمبر الماضي.
كما سبق للرئيس ترامب أن أشار إلى اهتمام عدد من الشركات والمستثمرين الأميركيين بشراء التطبيق، من بينهم مايكروسوفت، إضافة إلى ما وصفه بـ«مجموعة من الأثرياء جدًا»، في إشارة إلى كبار رجال الأعمال في وادي السيليكون.
خلفية تشريعية وأمنية معقدة
في أبريل 2024، أقرّ الكونغرس الأميركي حظرًا على تيك توك بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، على خلفية مخاوف تتعلق بـالأمن القومي، وسلامة بيانات المستخدمين الأميركيين.
كما نشرت مجلة فوربس وتقارير إعلامية أخرى تحقيقات سابقة أثارت مخاوف بشأن اتهامات للتطبيق بالتجسس على صحفيين، والترويج للدعاية الصينية، وسوء إدارة البيانات، إضافة إلى تتبع ما وصف بـ«الكلمات الحساسة»، وهو ما عزز موقف الجهات المطالبة بإعادة هيكلة وجود التطبيق داخل الولايات المتحدة.

لاري إليسون… قصة صعود استثنائية في عالم التكنولوجيا
من البدايات المتواضعة إلى قمة الثراء
يُعد لاري إليسون واحدًا من أبرز رواد الأعمال في تاريخ التكنولوجيا الحديثة، وصاحب واحدة من أكثر قصص النجاح إلهامًا في عالم ريادة الأعمال. فقد استطاع، على مدار عقود، أن يحول شركة ناشئة في مجال البرمجيات إلى إمبراطورية تقنية عالمية تنافس كبرى الشركات الأميركية.
ولد إليسون في الولايات المتحدة، ونشأ في ظروف لم تكن ميسورة، لكنه أظهر منذ وقت مبكر شغفًا بالتكنولوجيا والبرمجة، وهو ما شكّل حجر الأساس لمسيرته المهنية اللاحقة.
تأسيس أوراكل وبداية التحول
في عام 1977، أسس لاري إليسون شركة صغيرة حملت اسم Software Development Laboratories، وكانت تعمل في مجال برمجيات قواعد البيانات. وبعد سنوات قليلة، قرر تحويل اهتمامه بشكل كامل إلى تطوير أنظمة إدارة قواعد البيانات، ليؤسس عام 1979 شركة أوراكل، التي حملت لاحقًا اسم المنتج الرئيسي الذي طورته.
ومنذ اللحظة الأولى، اتبع إليسون نهجًا مختلفًا، قائمًا على الابتكار، والمخاطرة المحسوبة، واستقطاب أفضل الكفاءات الهندسية، وهو ما ساعد الشركة على النمو السريع والتفوق على منافسين أكبر حجمًا في ذلك الوقت.
صعود أوراكل إلى مصاف العمالقة
بمرور السنوات، تحولت أوراكل إلى واحدة من أكبر شركات تقنية المعلومات في العالم، مع توسعها في مجالات متعددة تشمل:
-
أنظمة قواعد البيانات
-
برمجيات تشغيل الشبكات
-
حلول الحوسبة السحابية
-
أنظمة تخطيط موارد المؤسسات (ERP)
وقد ساهم هذا التنوع في حماية الشركة من تقلبات السوق، ومنحها القدرة على إعادة ابتكار نفسها مع كل موجة تكنولوجية جديدة.
إنجازات مهنية واستثمارات استراتيجية
الريادة في الحوسبة السحابية
من أبرز إنجازات لاري إليسون إدخاله المبكر لتقنيات الحوسبة السحابية إلى السوق، وهي التقنيات التي غيّرت جذريًا طريقة عمل الشركات والمؤسسات، عبر إتاحة موارد الحوسبة بشكل أكثر مرونة وكفاءة من حيث التكلفة.
كما لعب دورًا محوريًا في تطوير قواعد البيانات العلائقية، التي أصبحت اليوم حجر الأساس للأنظمة الرقمية في مختلف القطاعات، من البنوك إلى شركات الطيران والتجارة الإلكترونية.
عقلية لا تخشى المخاطرة
يعزو كثيرون نجاح إليسون إلى جرأته في اتخاذ القرارات، واستعداده الدائم لتحمل المخاطر المدروسة، فضلًا عن قدرته على قراءة التحولات التكنولوجية قبل منافسيه، والدخول في مجالات جديدة في توقيتات حاسمة.
الجانب الإنساني والخيري
إلى جانب نجاحه في عالم الأعمال، يُعرف لاري إليسون بدعمه لعدد من المبادرات الخيرية والتعليمية، حيث تبرع بمليارات الدولارات لدعم الأبحاث الطبية، والمؤسسات التعليمية، والمشاريع ذات الأثر المجتمعي.
ويرى مراقبون أن هذا الجانب الإنساني يعكس فلسفة إليسون في رد الجميل للمجتمع، واعتبار النجاح الاقتصادي وسيلة لإحداث تأثير أوسع يتجاوز حدود الأسواق والأسهم.

يؤكد صعود لاري إليسون مجددًا إلى المراكز الأولى في قائمة أثرياء العالم أن التحالف بين التكنولوجيا والسياسة والاستثمار أصبح عاملًا حاسمًا في رسم خريطة الثروات العالمية. كما يعكس الدور المتنامي للشركات التقنية الكبرى، مثل أوراكل، في ملفات تتجاوز الأعمال التجارية إلى الأمن القومي والحوكمة الرقمية.
وبينما تظل الترتيبات عرضة للتغير مع كل تقلب في الأسواق، يبدو أن لاري إليسون، بعقليته الاستثمارية وخبرته الممتدة لعقود، لا يزال لاعبًا رئيسيًا في سباق المليارديرات… واسمًا يصعب تجاهله في مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.




