ذهب يلامس حدود الخمسة آلاف دولار: توقعات قوية تدفع المعدن النفيس إلى آفاق تاريخية خلال 2026

في ظل مشهد اقتصادي عالمي يموج بالتقلبات، يواصل الذهب تعزيز مكانته كملاذ آمن، محققًا أداءً استثنائيًا خلال العام الجاري. وبينما تتزايد الضغوط التضخمية وتتسع دوائر المخاطر الجيوسياسية، يبدو أن شهية المستثمرين—من أفراد وصناديق تحوّط وحتى بنوك مركزية—لا تزال مفتوحة على مصراعيها تجاه المعدن الأصفر، الذي يطرق أبواب مستويات غير مسبوقة.
ففي استطلاع واسع أجرته «جولدمان ساكس» عبر منصتها «ماركي»، وشمل أكثر من 900 مستثمر مؤسسي عالمي، برزت توقعات قوية بدفع الذهب إلى مستوى 5,000 دولار للأونصة بنهاية عام 2026. هذه التوقعات، التي حملتها أكبر فئة مشاركة في المسح بنسبة 36%، تأتي مدعومة بإقبال عالمي استثنائي، وتوجهات نقدية ومصرفية تعزز من جاذبية الذهب مقارنة بالأصول التقليدية.

المكاسب القياسية للذهب: عام استثنائي والأرقام تتحدث
شهد المعدن النفيس خلال العام الجاري قفزة غير مسبوقة، إذ ارتفع بنسبة 58.6% منذ بداية العام، مدفوعًا بموجة قوية من الطلب الاستثماري وعمليات الشراء الكثيفة من البنوك المركزية. وتمكّن الذهب في 8 أكتوبر الماضي من اختراق حاجز 4,000 دولار للأونصة لأول مرة في تاريخه، في خطوة وُصفت بأنها بداية لمرحلة جديدة من إعادة تسعير الذهب عالميًا.
ويؤكد المراقبون أن المكاسب المحققة ليست مجرد رد فعل قصير المدى، بل هي انعكاس لتحولات عميقة في ديناميكيات السوق العالمية، يتصدرها تباطؤ النمو، وتزايد القلق بشأن العملات الورقية، وتنامي المخاوف من اضطرابات مالية محتملة.
توقعات المستثمرين: إجماع على الصعود والنطاقات السعرية ترسم المشهد
وفق نتائج استطلاع «جولدمان ساكس»، تشير بيانات المستثمرين المؤسسيين إلى حالة تفاؤل لافتة تجاه مستقبل الذهب:
-
36% يتوقعون بلوغ الأسعار مستوى 5,000 دولار بنهاية العام المقبل.
-
33% يرجحون بقاء الأسعار ضمن نطاق 4,500 إلى 5,000 دولار.
-
أكثر من 70% من المشاركين متأكدون من استمرار الاتجاه الصاعد خلال 2026.
-
في المقابل، لا يرى إلا 5% فقط احتمال تراجع الذهب إلى مستويات بين 3,500 و4,000 دولار.
هذه الأرقام تعكس إجماعًا على أن الزخم الفني والأساسي سيظل حاضرًا بقوة، وأن ما يشهده الذهب الآن ليس ذروة مؤقتة بل بداية لمسار ممتد من الارتفاعات.
تأثير السياسات النقدية: الفيدرالي في المواجهة والذهب يستفيد
لا يمكن فصل ارتفاع أسعار الذهب عن التحولات الأخيرة في السياسات النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فقد ارتفع المعدن الأصفر إلى أعلى مستوى في أسبوعين خلال تداولات يوم الجمعة، مستفيدًا من آمال السوق بخفض أسعار الفائدة.
-
ارتفع السعر الفوري بنسبة 0.45% ليصل إلى 4,175.50 دولار.
-
كما صعدت العقود الآجلة بنسبة 0.53% مسجلة 4,187.40 دولار.
ويشير استطلاع «جولدمان ساكس» إلى أن 38% من المستثمرين يرون أن مشتريات البنوك المركزية هي المحرك الأكبر لارتفاعات الذهب، بينما اعتبر 27% أن المخاوف المالية العالمية هي العامل الأكثر تأثيرًا.
فانخفاض الفائدة عادة ما يضعف الدولار ويقلل من جاذبية السندات، الأمر الذي يعزز توجه المستثمرين نحو الذهب باعتباره أصلًا لا يتأثر بالعوائد.

إقبال عالمي: البنوك المركزية في المقدمة والمستثمرون يتبعون
من الأفراد الباحثين عن حماية مدخراتهم إلى صناديق التحوط التي تتصيد الفرص، يتفق الجميع على أن الذهب كان الوجهة الأبرز خلال العام. فقد شهدت الأسواق موجة مشتريات واسعة، مدفوعة بترقب تصاعد التضخم وتراجع قيمة العملات الرئيسية، إضافة إلى الاضطرابات الجيوسياسية التي جعلت الذهب خيارًا دفاعيًا بامتياز.
وتأتي البنوك المركزية في صدارة الجهات المحفزة للطلب؛ إذ زادت من حيازاتها في إطار استراتيجية ملحوظة للابتعاد عن الدولار وتعزيز الأصول المحايدة.
فالذهب، بفضل سيولته العالية وعدم تعرضه لمخاطر التعثر، أصبح عنصرًا أساسيًا في تشكيل الاحتياطيات الدولية، وهو ما أسهم في رفع الطلب العالمي إلى مستويات تقترب من الذروة.
استمرار الزخم: آراء الخبراء تشير إلى صعود ممتد
يرى عدد من المحللين أن الارتفاع القوي للذهب لم يصل إلى نهايته بعد. فقد أكد فيل سترايبل، كبير استراتيجيي السوق لدى «بلو لاين فيوتشرز»، أن الظروف الاقتصادية العالمية—من تباطؤ في النمو إلى ارتفاع معدلات التضخم—لا تزال تمنح الذهب قوة دفع إضافية خلال 2026.
وفي السياق ذاته، يتجه بعض المستثمرين إلى ما وراء شراء المعدن نفسه، عبر الاستثمار المباشر في شركات التعدين. فقد كشف ستيفن ييو من «بلو ويل كابيتال» عن رهانه الكبير على شركة نيوماونت، أكبر منتج للذهب في العالم.
أما المستثمر المعروف كارسن بلوك، مؤسس «مادي ووترز كابيتال» والمشهور بعمليات البيع على المكشوف، فقد فاجأ الأسواق برهان طويل على شركة سنولاين جولد الكندية، معتبرًا أنها مرشحة للاستحواذ في ظل موجة متنامية من الاندماجات في قطاع التعدين.

ذهب يعيد رسم قواعد السوق العالمية
تشير جميع المؤشرات—من مراكز المستثمرين إلى توجهات البنوك المركزية، ومن السياسات النقدية إلى التوترات الجيوسياسية—إلى أن الذهب يستعد لمرحلة جديدة من إعادة التسعير، ربما تجعله يتجاوز مستويات لم تكن في الحسبان قبل سنوات قليلة.
وإذا كانت التوقعات الحالية صحيحة، فقد يصبح رقم 5,000 دولار للأونصة هدفًا واقعيًا وليس مجرد طموح نظري، وهو ما سيعيد تشكيل المشهد الاستثماري العالمي، ويضع الذهب في قلب القرارات المالية خلال السنوات المقبلة.




