تايبيه تحسم الجدل مع واشنطن: صناعة الرقائق ليست قابلة للنقل

تشهد صناعة الرقائق الإلكترونية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ نشأتها، مع تصاعد المنافسة العالمية بين القوى الاقتصادية الكبرى لإعادة رسم خريطة سلاسل الإمداد الدولية. وفي قلب هذا المشهد المتشابك، تقف تايوان باعتبارها اللاعب الأهم والأكثر تأثيرًا في منظومة أشباه الموصلات العالمية، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة تقليص اعتمادها التقني على آسيا، مدفوعة باعتبارات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية.
هذا الصراع، الذي يتجاوز كونه مجرد خلاف تجاري، يعكس تحوّل الرقائق الإلكترونية إلى عنصر سيادي لا يقل أهمية عن الطاقة أو الغذاء، خاصة مع الاعتماد المتزايد عليها في الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والأنظمة العسكرية المتقدمة.
وفي خضم هذه التحولات، أطلقت تايبيه موقفًا حاسمًا، مؤكدة أن نقل جزء كبير من طاقتها الصناعية المتقدمة إلى الخارج، كما تطالب واشنطن، أمر غير ممكن واقعيًا، بل يتجاهل الطبيعة المعقدة والمتشابكة لصناعة تشكّلت عبر عقود طويلة.
منظومة صناعية متكاملة لا يمكن اقتلاعها
لا تُعد صناعة أشباه الموصلات في تايوان مجرد مصانع عملاقة لإنتاج الرقائق، بل تمثل منظومة صناعية ومعرفية شديدة التعقيد، تتشابك فيها مراكز البحث والتطوير، وشركات المواد الكيميائية فائقة الدقة، ومصنّعو المعدات المتقدمة، إضافة إلى شبكة واسعة من الموردين المحليين والدوليين، وكوادر بشرية عالية التدريب.
وترى الحكومة التايوانية أن الحديث عن نقل المصانع فقط، دون نقل البيئة الحاضنة كاملة، يُفرغ الفكرة من معناها الحقيقي. فالقيمة الجوهرية للصناعة لا تكمن في خطوط الإنتاج وحدها، بل في التراكم المعرفي والخبرات التقنية التي نشأت داخل هذا النظام المتكامل.
وأكدت تشنغ لي-تشون، نائبة رئيس الوزراء التايواني، أن هذا التراكم الصناعي لم يتشكّل بين ليلة وضحاها، بل هو نتاج استثمارات طويلة الأمد، وسياسات تعليمية وبحثية متواصلة، وتعاون وثيق بين الحكومة والقطاع الخاص. وأضافت أن محاولة إعادة بناء هذه المنظومة في موقع جغرافي آخر خلال فترة قصيرة تُعد “ضربًا من الخيال”.

تايبيه ترفض مطالب واشنطن بشكل قاطع
وفق ما نقلته وكالة «رويترز»، رفضت الحكومة التايوانية بشكل صريح مطالب أمريكية تدعو إلى نقل ما يصل إلى 40% من القدرة الإنتاجية للرقائق إلى الأراضي الأمريكية. وأوضحت تايبيه أن هذا الهدف غير قابل للتحقيق، ليس بسبب نقص التمويل، وإنما بسبب الارتباط العميق بين الصناعة وبنيتها المحلية.
وأشارت تشنغ لي-تشون إلى أن واشنطن أُبلغت رسميًا باستحالة تنفيذ هذا الطرح، نظرًا لاعتماد الصناعة على شبكة معقدة من الموردين، والمهندسين، والبنية التحتية البحثية، وهو ما يمنح الجزيرة ميزة تنافسية يصعب تكرارها في أي مكان آخر بالعالم.
هذا الموقف الصارم يعكس إدراك تايوان لمكانتها المحورية في الاقتصاد الرقمي العالمي، كما يعكس حرصها على عدم التفريط في مركز الثقل الذي يمثّل العمود الفقري لقوتها الاقتصادية والنفوذ التقني الذي تمتلكه.
نمو داخلي مستمر رغم التوسع الخارجي
ورغم الضغوط الدولية، تؤكد الحكومة التايوانية أن الطاقة الإنتاجية داخل الجزيرة لا تزال في مسار تصاعدي، وأن الشركات الكبرى، وعلى رأسها TSMC، تواصل ضخ استثمارات ضخمة محليًا، حتى مع توسعها الخارجي في الولايات المتحدة وأوروبا.
وشددت تشنغ على أن أي توسع خارجي، بما في ذلك الاستثمار في الولايات المتحدة، لا يُنظر إليه بوصفه بديلًا عن القاعدة الصناعية المحلية، بل باعتباره امتدادًا تكميليًا يهدف إلى تعزيز الوصول إلى الأسواق العالمية وتلبية الطلب المتزايد.
وبهذا المعنى، تظل أشباه الموصلات في تايوان مركز الثقل الرئيسي، بينما تأتي الاستثمارات الخارجية في إطار استراتيجية توزيع جغرافي للإنتاج دون المساس بجذور الصناعة أو نقل قلبها النابض خارج الجزيرة.

الولايات المتحدة وإعادة التصنيع: دوافع أمنية واقتصادية
على الجانب الآخر، تنظر الولايات المتحدة إلى التركّز الجغرافي لصناعة الرقائق في شرق آسيا، وبالقرب من الصين تحديدًا، باعتباره خطرًا إستراتيجيًا على أمنها القومي واقتصادها المستقبلي.
وفي هذا السياق، صرّح هوارد لوتنيك، وزير التجارة الأمريكي، بأن وجود معظم إنتاج الرقائق المتقدمة على بُعد نحو 80 ميلًا فقط من الصين “أمر غير منطقي”، في إشارة إلى هشاشة سلاسل الإمداد في حال وقوع أزمات جيوسياسية.
وتسعى واشنطن، وفق خططها المعلنة، إلى الاستحواذ على حصة سوقية تصل إلى 40% من تصنيع الرقائق المتقدمة عالميًا، وهو ما يدفعها للضغط على الشركات والحكومة التايوانية لنقل جزء من سلسلة الإمداد إلى الداخل الأمريكي، ضمن مساعي تحقيق الاكتفاء الصناعي وتقليل الاعتماد الخارجي.
بين الطموح الأمريكي والواقع التايواني
غير أن تايبيه ترى أن هذه الطموحات الأمريكية تصطدم بواقع تقني معقد، لا يمكن تجاوزه بالتمويل أو الحوافز وحدها. فإعادة إنتاج تجربة أشباه الموصلات في تايوان تتطلب سنوات طويلة من بناء الكفاءات، وتطوير الموردين، وإنشاء منظومة بحثية متكاملة.
وأكدت الحكومة التايوانية أن نقل 40% من الإنتاج ليس مسألة أرقام أو نسب، بل مسألة خبرة تراكمية يصعب نقلها أو استنساخها بسرعة. وهو ما يجعل أي محاولة لفرض هذا السيناريو محفوفة بالتكاليف العالية والمخاطر التشغيلية.
اتفاق الرسوم والاستثمارات: توازن هش
وفي محاولة لتخفيف حدة التوتر، توصل الطرفان إلى اتفاق يقضي بخفض الرسوم الجمركية على صادرات تايوان إلى الولايات المتحدة من 20% إلى 15%، مقابل التزام تايبيه بزيادة الاستثمارات داخل السوق الأمريكي.
ويعكس هذا الاتفاق مسعى لتحقيق توازن دقيق بين المصالح الاقتصادية الأمريكية، ورغبة تايوان في الحفاظ على مكانتها الصناعية وعدم المساس بجوهر منظومتها الإنتاجية.
وفي هذا الإطار، أكدت الحكومة التايوانية أنها لن تنقل المجمعات العلمية المتقدمة من الجزيرة، لكنها أبدت استعدادها لمشاركة خبراتها في بناء التجمعات الصناعية مع الولايات المتحدة، في صيغة تعاونية بديلة عن نقل الصناعة بالكامل.
تهديدات جمركية وخلاف يتجاوز التجارة
ورغم الاتفاقات، لم يخلُ المشهد من التوتر، إذ لوّحت واشنطن بإمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100% في حال عدم الاستجابة لمطالب نقل جزء كبير من سلسلة التوريد. كما طرحت في وقت سابق فكرة تقسيم الإنتاج بنسبة 50-50 بين البلدين، وهو ما قوبل برفض فوري من تايبيه.
هذا الخلاف لا يقتصر على مفاوضات تجارية أو أرقام استثمارية، بل يعكس صراعًا أعمق حول إعادة تشكيل خريطة التكنولوجيا العالمية. فالرقائق المتقدمة أصبحت أساس كل شيء، من الهواتف الذكية إلى الذكاء الاصطناعي، ومن السيارات الكهربائية إلى الأنظمة الدفاعية الحديثة.
استثمارات TSMC: توسع لا تفريط
في هذا السياق، أعلنت شركة TSMC، أكبر شركة لتصنيع الرقائق في العالم، عن استثمار ضخم يُقدّر بنحو 165 مليار دولار لبناء مصانع جديدة في ولاية أريزونا الأمريكية. غير أن هذه الخطوة، بحسب تايبيه، لا تعني نقل الصناعة خارج الجزيرة، بل إنشاء طاقة إنتاجية مكمّلة تسهم في تلبية الطلب العالمي وتقليل المخاطر الجيوسياسية.
وتؤكد الحكومة التايوانية أن القدرات الإنتاجية الحالية والمشروعات قيد التنفيذ داخل الجزيرة، سواء في التصنيع المتقدم أو التغليف المتطور، تفوق بكثير حجم الاستثمارات الخارجية، ما يضمن بقاء تايوان الركيزة الأساسية لسلسلة الإمداد العالمية.

مستقبل أشباه الموصلات: انتشار دون فقدان المركز
يتفق خبراء الاقتصاد والتكنولوجيا على أن الصراع حول أشباه الموصلات سيحدد ملامح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، باعتبار هذه الصناعة القلب النابض للثورة الرقمية.
وبينما تحاول الولايات المتحدة تقليل المخاطر المرتبطة بالتركيز الجغرافي للإنتاج، تتمسك تايوان بدورها كمركز عالمي لا يمكن استبداله بسهولة، مستندة إلى منظومة صناعية متكاملة يصعب تفكيكها أو نقلها.
وفي ضوء ذلك، تبدو المعادلة المستقبلية قائمة على مبدأ الانتشار الجغرافي دون التخلي عن المركز الرئيس؛ أي توسيع الإنتاج عالميًا مع الإبقاء على جوهر الصناعة في تايوان، باعتبارها العمود الفقري للتكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد الرقمي العالمي.




