أخبار ومقالات

أوبر تعزز وجودها في السوق التركية عبر الاستحواذ على أنشطة توصيل مملوكة لجيتير من مبادلة

في خطوة تعكس تصاعد وتيرة المنافسة في قطاع التوصيل العالمي، أعلنت شركة «أوبر» توصلها إلى اتفاق للاستحواذ على أنشطة توصيل تابعة لشركة «جيتير» التركية من شركة «مبادلة للاستثمار»، المالكة لحصة مسيطرة في جيتير، وذلك ضمن صفقة نقدية تبلغ قيمتها 335 مليون دولار. ولم تكتفِ أوبر بعملية الاستحواذ الكاملة على أعمال التوصيل، بل أرفقت الصفقة باستثمار إضافي قدره 100 مليون دولار مقابل الحصول على حصة تبلغ 15% في خدمات توصيل أوسع تشمل الطعام والبقالة والتجزئة والمياه.

التحرك الجديد لا يُقرأ فقط كصفقة استحواذ تقليدية، بل كجزء من إعادة تموضع استراتيجي لأوبر في سوق سريع النمو والتقلب في آن واحد، حيث باتت خدمات «الميل الأخير» تمثل أحد أهم ميادين التنافس بين عمالقة التكنولوجيا والنقل والتجارة الإلكترونية.


صفقة على محورين: استحواذ مباشر واستثمار استراتيجي

تتضمن الصفقة شقين رئيسيين؛ الأول يتمثل في الاستحواذ الكامل نقدًا على أنشطة توصيل تابعة لجيتير مقابل 335 مليون دولار، وهو ما يمنح أوبر سيطرة تشغيلية مباشرة على البنية اللوجستية والعمليات المرتبطة بخدمات التوصيل المعنية.

أما الشق الثاني فيتمثل في استثمار بقيمة 100 مليون دولار مقابل حصة 15% في خدمات توصيل أوسع تشمل الطعام والبقالة والتجزئة والمياه. هذا الجزء من الاتفاق يكشف أن أوبر لا تستهدف فقط تعزيز حصتها في توصيل الطعام، بل تسعى إلى بناء موطئ قدم قوي في منظومة توصيل متكاملة تمتد إلى قطاعات استهلاكية متعددة.

وتشير بنية الصفقة إلى أن أوبر اختارت مقاربة مزدوجة: سيطرة مباشرة على نشاط محدد ينسجم مع عملياتها الحالية، إلى جانب شراكة استراتيجية تتيح لها الاستفادة من النمو المستقبلي لقطاعات التوصيل الأخرى دون تحمل كامل المخاطر التشغيلية.

أوبر تعزز وجودها في السوق التركية عبر الاستحواذ على أنشطة توصيل مملوكة لجيتير من مبادلة
أوبر تعزز وجودها في السوق التركية عبر الاستحواذ على أنشطة توصيل مملوكة لجيتير من مبادلة

تركيا… سوق استراتيجي سريع النمو

يأتي توسع أوبر في تركيا في وقت تشهد فيه البلاد تحولًا متسارعًا في سلوك المستهلكين نحو الطلب عبر التطبيقات الرقمية، سواء في توصيل الطعام أو البقالة أو المنتجات الاستهلاكية اليومية. ومع ارتفاع معدلات التحضر وزيادة الاعتماد على الهواتف الذكية، أصبحت خدمات التوصيل عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية لشريحة واسعة من السكان.

السوق التركية تتميز بعدة عوامل تجعلها جذابة للاستثمار:

  1. كثافة سكانية مرتفعة في المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير، ما يعزز جدوى نماذج التوصيل السريع.

  2. قاعدة شبابية واسعة تميل إلى استخدام التطبيقات الرقمية.

  3. بيئة تنافسية نشطة تدفع الشركات إلى الابتكار وتقديم خدمات أسرع وأكثر تنوعًا.

من خلال الاستحواذ على أنشطة تابعة لجيتير، تحصل أوبر على بنية تشغيلية قائمة بالفعل، تشمل شبكات توزيع، وخبرات محلية، وعلاقات مع موردين وشركاء تجاريين، وهو ما يختصر عليها سنوات من البناء التدريجي.


«الميل الأخير»… ساحة المعركة الجديدة

مصطلح «الميل الأخير» يشير إلى المرحلة النهائية من عملية التوصيل، أي نقل المنتج من مركز التوزيع إلى المستهلك النهائي. هذه المرحلة تمثل عادة الجزء الأكثر تكلفة وتعقيدًا في سلسلة الإمداد، لكنها في الوقت نفسه الأكثر تأثيرًا على تجربة العميل.

استراتيجية أوبر في السنوات الأخيرة اتجهت نحو توسيع مفهومها من شركة نقل ركاب إلى منصة خدمات لوجستية متعددة الاستخدامات. بعد إطلاق «أوبر إيتس» وتوسيع نشاطها في توصيل الطعام، بدأت الشركة تنظر إلى البقالة والمنتجات اليومية باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لمنصتها.

الاستثمار في خدمات توصيل الطعام والبقالة والتجزئة والمياه التابعة لجيتير يعكس هذا التوجه بوضوح. فبدلًا من الاكتفاء بقطاع واحد، تسعى أوبر إلى إنشاء منظومة شاملة تسمح للمستخدم بطلب وجبة، أو شراء احتياجاته اليومية، أو الحصول على منتجات سريعة الاستهلاك عبر التطبيق ذاته.


جيتير… من ريادة التوصيل السريع إلى إعادة التموضع

تُعد «جيتير» من أبرز الشركات التركية التي حققت شهرة واسعة في مجال التوصيل السريع، خاصة في البقالة الفورية. وقد توسعت الشركة في فترات سابقة خارج تركيا، مستفيدة من طفرة الطلب على التوصيل خلال جائحة «كوفيد-19».

لكن السنوات اللاحقة شهدت تحديات في قطاع التوصيل السريع عالميًا، مع ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع معدلات النمو مقارنة بفترة الإغلاق. في هذا السياق، تبدو الصفقة مع أوبر بمثابة إعادة هيكلة استراتيجية، تسمح لجيتير بإعادة ترتيب أولوياتها وتعزيز مركزها المالي، بينما تتيح لمبادلة تحقيق قيمة استثمارية من جزء من أصول الشركة.


مبادلة… إدارة ذكية للمحفظة الاستثمارية

بصفتها مالكًا لحصة مسيطرة في جيتير، لعبت «مبادلة للاستثمار» دورًا محوريًا في إتمام الصفقة. ويعكس الاتفاق نهجًا استثماريًا يوازن بين تحقيق عوائد نقدية فورية من خلال بيع أنشطة محددة، والاحتفاظ بحضور استراتيجي عبر الشراكة مع لاعب عالمي بحجم أوبر.

إذ إن استثمار أوبر مقابل حصة 15% في خدمات توصيل أوسع يفتح الباب أمام تعاون طويل الأمد، وربما صفقات مستقبلية إضافية، في حال أثبتت الشراكة نجاحها في السوق التركية.


تكامل المنصات… تجربة مستخدم موحدة

أحد أبرز مكاسب أوبر من الصفقة يتمثل في إمكانية دمج خدمات التوصيل المستحوذ عليها ضمن منصتها الرقمية، ما يسمح بتقديم تجربة مستخدم موحدة. هذا التكامل يتيح للشركة:

  • تحسين كفاءة إدارة الأسطول.

  • الاستفادة من بيانات الطلب لتحسين التوصيات والعروض.

  • خفض التكاليف عبر توحيد البنية التقنية.

كما أن وجود قاعدة عملاء قائمة لدى جيتير يمنح أوبر فرصة لتوسيع قاعدة مستخدميها بسرعة أكبر، دون الحاجة إلى استثمارات تسويقية ضخمة لبناء الوعي من الصفر.


المنافسة الإقليمية والدولية

السوق التركية ليست معزولة عن المنافسة العالمية في قطاع التوصيل. فهناك لاعبون محليون وإقليميون يسعون إلى ترسيخ حضورهم، إلى جانب شركات عالمية تراقب الفرص المتاحة.

دخول أوبر بقوة عبر استحواذ مباشر واستثمار استراتيجي يعزز موقعها التنافسي، لكنه في الوقت ذاته قد يدفع المنافسين إلى تكثيف استثماراتهم أو عقد شراكات مماثلة.


الرؤية طويلة المدى: منصة شاملة للحياة اليومية

التحركات الأخيرة لأوبر تشير إلى رؤية تتجاوز النقل والتوصيل التقليدي، نحو التحول إلى منصة متكاملة للحياة اليومية. فمن خلال دمج خدمات النقل وتوصيل الطعام والبقالة والتجزئة، يمكن للشركة أن تصبح جزءًا أساسيًا من الروتين اليومي للمستخدم.

هذا النموذج يتيح فرصًا متعددة لتحقيق الإيرادات، سواء عبر العمولات، أو الإعلانات داخل التطبيق، أو خدمات الاشتراك المميزة.


تحديات محتملة

رغم المكاسب الاستراتيجية، لا تخلو الصفقة من تحديات، أبرزها:

  • دمج العمليات والأنظمة التقنية بين الشركتين.

  • الحفاظ على جودة الخدمة خلال مرحلة الانتقال.

  • التعامل مع البيئة التنظيمية المحلية التي قد تشهد تغيرات.

  • تحقيق الربحية المستدامة في قطاع يشهد ضغطًا على الهوامش.

نجاح أوبر في تجاوز هذه التحديات سيحدد مدى فاعلية الصفقة على المدى المتوسط والطويل.


خطوة تعيد رسم الخريطة

في المجمل، تمثل صفقة أوبر مع جيتير ومبادلة تحركًا استراتيجيًا مدروسًا يعكس تحولًا أعمق في قطاع التوصيل العالمي. فالشركة لا تكتفي بتعزيز حضورها في سوق واعدة مثل تركيا، بل تسعى إلى بناء منظومة متكاملة لخدمات «الميل الأخير» تمتد عبر قطاعات متعددة.

ومع ضخ 435 مليون دولار بين استحواذ مباشر واستثمار في حصة استراتيجية، تؤكد أوبر أنها ترى في السوق التركية أكثر من مجرد فرصة توسع جغرافي؛ بل منصة انطلاق نحو نموذج أعمال أكثر شمولًا وتكاملًا.

في عالم تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي، تبدو هذه الصفقة بمثابة فصل جديد في سباق بناء المنصات المتكاملة، حيث لا يكفي الوصول إلى العميل… بل يجب أن تكون حاضرًا في كل احتياجاته اليومية.

Dina Z. Isaac

كاتبة محتوى متخصصة في إعداد المقالات الإخبارية والتحليلية لمواقع إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى