أسواق المعادن الثمينة تشتعل تاريخيًا.. الفضة تحقق قفزة استثنائية بـ167% منذ بداية العام وسط رهانات خفض الفائدة

سجّلت أسواق المعادن الثمينة واحدة من أكثر جلساتها التاريخية سخونة، بعدما شهدت الأسعار قفزات غير مسبوقة دفعت الفضة إلى اختراق حاجز 77 دولارًا للأونصة للمرة الأولى في تاريخها، في وقت واصل فيه الذهب والبلاتين والبلاديوم تسجيل قمم سعرية جديدة، مدعومة بمزيج معقّد من العوامل النقدية والجيوسياسية والاستثمارية.
هذه القفزة الاستثنائية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكُم ضغوط متزايدة على النظام المالي العالمي، في مقدمتها التوقعات المتزايدة باتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، إلى جانب تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية في عدد من بؤر النزاع، ما أعاد الزخم بقوة إلى الملاذات الآمنة وفي مقدمتها المعادن الثمينة.
الفضة تقود المشهد: مكاسب تاريخية ونقص إمدادات
كانت الفضة هي نجمة المشهد بلا منازع، بعدما قفز سعرها الفوري بنسبة 7.5% في جلسة واحدة ليصل إلى 77.30 دولار للأونصة، بعد أن لامس مستوى قياسيًا بلغ 77.40 دولار. وبهذا الأداء، رفعت الفضة مكاسبها منذ بداية العام إلى نحو 167%، في واحدة من أكبر موجات الصعود التي يشهدها المعدن الأبيض عبر تاريخه.
ويرى محللون أن هذا الصعود الحاد يعكس اختلالًا واضحًا في ميزان العرض والطلب، في ظل نقص الإمدادات العالمية من الفضة، وارتفاع الطلب الصناعي عليها، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة، وصناعة أشباه الموصلات، والمعدات الطبية، إلى جانب استخدامها المتزايد في الصناعات الدفاعية.
كما عزز من زخم الفضة اعتبارها ضمن المعادن الاستراتيجية للولايات المتحدة، ما دفع المؤسسات الاستثمارية وصناديق التحوط إلى زيادة انكشافها على المعدن، تحسبًا لأي اضطرابات مستقبلية في سلاسل التوريد أو القيود الجيوسياسية.

الذهب يواصل كتابة التاريخ: قفزات قياسية وطموحات أعلى
لم يكن الذهب بعيدًا عن هذا الزخم، إذ ارتفع السعر الفوري للمعدن الأصفر بنسبة 1.2% ليسجل 4531.41 دولار للأونصة، بعدما بلغ خلال الجلسة مستوى قياسيًا جديدًا عند 4549.71 دولار. كما صعدت العقود الأميركية الآجلة لشهر فبراير بنسبة 1.1% لتستقر عند 4552.70 دولار للأونصة.
ويأتي هذا الأداء القوي للذهب في وقت تشير فيه البيانات إلى أنه يسير نحو تسجيل أكبر مكاسب سنوية له منذ عام 1979، مستفيدًا من موجة شراء غير مسبوقة من قبل البنوك المركزية حول العالم، خاصة في الاقتصادات الناشئة، التي تسعى إلى تنويع احتياطياتها وتقليل اعتمادها على الدولار الأميركي.
كما ساهمت تدفقات صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب في تعزيز الطلب الاستثماري، في ظل تزايد القلق من التضخم، وتقلبات أسواق الأسهم، وعدم اليقين بشأن المسار المستقبلي للسياسات النقدية العالمية.
البلاتين والبلاديوم: صعود صاروخي وزخم استثنائي
إلى جانب الذهب والفضة، شهدت بقية المعادن الثمينة صعودًا لافتًا، حيث قفز سعر البلاتين الفوري بنسبة 9.8% ليصل إلى 2437.72 دولار للأونصة، بعدما بلغ خلال الجلسة مستوى غير مسبوق عند 2454.12 دولار. وسجل البلاتين بذلك أقوى ارتفاع أسبوعي في تاريخه، وفق بيانات الأسواق.
أما البلاديوم، فقد ارتفع بنسبة 14% ليصل إلى 1927.81 دولار للأونصة، مسجلًا أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاث سنوات، مدفوعًا بتحسن الطلب الصناعي، وتراجع المعروض من بعض الدول المنتجة، إلى جانب عمليات تغطية مراكز بيع مكثفة من قبل المستثمرين.
الفيدرالي الأميركي في قلب المعادلة
يُجمع خبراء الأسواق على أن العامل الأبرز وراء هذا الصعود التاريخي يتمثل في التوقعات المتزايدة بتوجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نحو خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026، وربما في وقت أبكر مما كان متوقعًا سابقًا.
وقد ساهم تراجع قيمة الدولار الأميركي خلال الأسبوع في تعزيز جاذبية المعادن الثمينة للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، إذ يؤدي ضعف العملة الأميركية عادة إلى انخفاض تكلفة شراء الذهب والمعادن المقومة بالدولار.
وفي هذا السياق، قال بيتر جرانت، نائب رئيس شركة «زانر ميتالز»، إن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير سيناريو أكثر تيسيرًا للسياسة النقدية الأميركية، خاصة في ظل التكهنات بإمكانية تعيين رئيس جديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يكون أكثر ميلًا إلى السياسات النقدية المرنة ودعم النمو الاقتصادي.
وأضاف جرانت أن الفضة قد تستهدف مستوى 80 دولارًا للأونصة قبل نهاية العام الجاري، في حين قد يتجه الذهب إلى اختبار مستوى 4686.61 دولار على المدى القصير، مع إمكانية وصوله إلى حاجز 5000 دولار خلال النصف الأول من العام المقبل، إذا استمرت العوامل الداعمة الحالية.
توترات جيوسياسية تعزز الطلب على الملاذات الآمنة
لم تقتصر أسباب الصعود على العوامل النقدية وحدها، بل لعبت التوترات الجيوسياسية دورًا محوريًا في تعزيز الإقبال على المعادن الثمينة. فقد أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ ضربات جوية ضد عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية في شمال غرب نيجيريا، ما زاد من حالة عدم اليقين العالمي، وأعاد المخاوف بشأن اتساع رقعة الصراعات المسلحة.
كما لا تزال التوترات في مناطق أخرى من العالم تلقي بظلالها على الأسواق، في ظل استمرار النزاعات الإقليمية، وتزايد المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، ما يدفع المستثمرين إلى البحث عن أصول تحفظ القيمة في أوقات الاضطراب.

مكاسب أسبوعية جماعية وزخم استثماري قوي
وعلى صعيد الأداء الأسبوعي، حققت المعادن الثمينة مكاسب جماعية، في مشهد يعكس الزخم الاستثنائي الذي اكتسبته هذه الفئة من الأصول. وسجّل البلاتين أقوى ارتفاع أسبوعي له على الإطلاق، فيما حققت الفضة والذهب مكاسب مزدوجة الرقم على أساس سنوي.
ويرى محللون أن هذه المكاسب تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في توجهات المستثمرين، الذين باتوا ينظرون إلى المعادن الثمينة ليس فقط كملاذ آمن، بل كأداة تحوط رئيسية في مواجهة تقلبات الاقتصاد العالمي، والتحولات في النظام النقدي الدولي.
الطلب الفعلي في آسيا: تراجع رغم الأسعار القياسية
ورغم الطفرة السعرية، أظهرت بيانات الأسواق تباينًا في الطلب الفعلي على الذهب في أكبر الأسواق الاستهلاكية في آسيا. ففي الهند، اتسعت الخصومات إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من ستة أشهر، نتيجة تراجع المبيعات في ظل الارتفاعات القياسية للأسعار، ما دفع بعض التجار إلى تقديم تخفيضات لتحفيز الطلب.
في المقابل، تقلصت الخصومات في الصين بشكل حاد، بعدما شهد السوق موجة مشتريات قوية خلال الأسبوع الماضي، مدفوعة بتوقعات استمرار الصعود، ورغبة المستثمرين الأفراد في التحوط من تقلبات الأسواق المحلية.
الذهب والدولار: مسار فك الارتباط
أحد العوامل الهيكلية التي تدعم الذهب على المدى الطويل يتمثل في التوجه المتزايد لدى عدد من الدول نحو تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي في احتياطياتها، في إطار ما يُعرف بعملية «إزالة الدولرة». وقد دفع هذا التوجه العديد من البنوك المركزية إلى زيادة حيازاتها من الذهب، باعتباره أصلًا محايدًا وغير مرتبط بأي دولة بعينها.
ويرى خبراء أن هذا التحول قد يشكل دعمًا مستدامًا لأسعار الذهب خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل التغيرات الجيوسياسية وإعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية العالمية.

هل تستمر الموجة الصاعدة؟
مع استمرار تضافر العوامل الداعمة، من سياسات نقدية مرنة متوقعة، وتوترات جيوسياسية متصاعدة، ونقص في الإمدادات لبعض المعادن، يبقى السؤال الأبرز في الأسواق: هل تستمر هذه الموجة الصاعدة أم أننا أمام فقاعة سعرية مؤقتة؟
حتى الآن، تشير معظم المؤشرات إلى أن المعادن الثمينة لا تزال تحظى بدعم قوي، سواء من المستثمرين المؤسسيين أو الأفراد، ما يجعلها في قلب المشهد المالي العالمي خلال المرحلة المقبلة، ويضع أسعار الذهب والفضة والبلاتين أمام اختبارات تاريخية جديدة قد تعيد رسم خريطة أسواق السلع في العالم.




